رَجُلُ الجَزِِيْرَة

12 يونيو 2009

ستضحك مني حين أقول لك: أشعر أني لا أحد
هكذا أنت دائما، تسخر مني حين أتحدث بهذه الطريقة..

صباح الأمس حين كنت أجلس أمام الشرفة الزجاجية المطلة على ما نسميه بحرا، و هو ليس إلا لسان مائي ممتد عنوة بين طرفي يابسة، يسميه أبي (الخور)، لمحته يخرج من بين غابة الأشجار التي يحرسها في الجزيرة، يحمل في يده كيسا بلاستيكيا ضخما و يتجه نحو قاربه الصغير الراسي كيفما اتفق على رمال الشاطئ، وضع كيسه و ألقى بثقل جسده ليهتز القارب بقوة، جدف حتى وصل إلى الضفة الأخرى، كأنه يعبر نهرا..! غاب عن ناظري وسط الكثبان الرملية و الحفر التي أحدثتها شركة الحفريات على طول الشاطئ الممتد، من بين تلتين صغيرتين برز و هو يحمل كيسه من جديد.. عرفت أنه يتجه نحو بابنا، و أنه سيضعه و يمضي دون أن تشعر به أمي التي ستنادي على الخادمة كي تلحق به.. بعد هنيهة سمعت صوت الجرس، عادت الخادمة و هي تحمل الكيس المحمل بثمار المانجو الطازجة المشربة بصفرة لذيذة.. صرخت أمي: الحقي به، ألقت الخادمة الكيس و عادت تهرول ناحية الباب.. اختفى كعادته، السيناريو ذاته يتكرر في كل مرة.. منذ أن سكنا البيت في الصيف الماضي، محصول المزرعة الواقعة على الجزيرة المقابلة من المانجو و الليمون تتوزع باستمرار على القاطنين هنا، “هذا ما أوصى به صاحب المزرعة”.. يقول رجل الجزيرة لوالدي حين يلتقيه يوم الجمعة في جامع الفريج، هو يعيش وحيدا هناك، وسط غابة من الأشجار.. في جزيرة تبعد عن عالم البشر بضع كيلومترات.. قاربه هو وسيلة تواصله الوحيدة مع الجنس البشري.. أفكر: كيف يطيق العيش وحيدا؟
أمي تنتظر يوم الجمعة. حين يعود به والدي من الجامع كي ترد له الجميل.. الآن، قبل أن تخرج، وجهت لي وصيتها للمرة الخامسة: لا تنسين تعطين الريال الأغراض، حطيتها عالطاولة..
- إن شاء الله

أُحِبّك

24 مايو 2009

أحبك ربي..

حَيَاةٌ تَتَجدّد

19 مايو 2009

كنت اشعر في زمن مضى، اني حين اكتب.. لا تكتفي اصابعي بمشاركتي الكتابة و النقر على لوحة المفاتيح.. بل هي تفكر معي، في الايام الماضية اصبح ظني يقينا.. هي بكل تاكيد تتولى التفكير نيابة عني، لهذا تكون الافكار حين اكتب على لوحة المفاتيح اكثر انسيابا و تدفقا من الكتابة بالقلم، التي باتت ترهقني جدا حتى تخليت عنها تماما.. اصابعي العشرة التي لم احسن يوما عنايتها، منذ ثلاثة اسابيع و هي في خصام معي.. لا أدري ما الذي أصابها فجأة، قال لي الطبيب أنه نوع من آنواع الفطريات و أن الماء هو نصيرها لتنمو بشكل أسرع.. حسنا ماذا عساي أفعل؟ نصحني ألا آستخدم أي دواء!

في الأسابيع الماضية كان النقر علر لوحة المفاتيح يسبب لي ألما لا يطاق، و كان التفكير مع هذا الألم آمرا مستحيلا.. هل أقول أن هذا هو سبب توقفي عن الكتابة منذ شهر أو آكثر؟ ربما.. و ربما كان عجزي عن التفكير يعود لأسباب أخرى أجهلها.. لكن هاأنذا أكتب أخيرا، بعد أن أهملت مدونتي شهرا و نيف.. أشعر أن أكواما من الغبار تعلوها.. و أنها تنظر إلي نظرة عتاب أعجز معها عن التفكير بأي شيء سوى الاعتذار.. رغم أنه بلا طائل..

هل يهمكم أن أبدأ بسرد كل ما حدث خلال الأيام الماضية؟ لا أظن أن ذلك بالأمر المهم.. لكني كنت بحاجة لتغيير بعض الأشياء من حولي كي أشعر أني أنبعث من جديد.. كل تلك الأشياء الجديدة التي دخلت عالمي كما كان مقدرا لها.. في البداية اقتنيت كاميرا جديدة، بعد توقف عن التصوير لأشهر عديدة، كاميرتي السابقة لفظت أنفاسها فجأة.. لم أعرف سببا للعطل الذي أصابها، لكني لم أتألم كثيرا، كنت واثقة أن الوقت قد حان أخيرا لشراء كاميرا جديدة.. ثم تلتها السيارة، جميلة و لامعة لا كسابقتها، رغم أن مشاويري باتت أقل بكثير هذه الأيام.. لكن مجرد امتلاك شيء جديد و إن لم تستخدمه كثيرا يمنحك شعورا رائعا، التالي كان جهازي الجديد، كنت قد أجلت شراءه إلى أجل غير معلوم.. لكن ظروفا قادتني لدخول محل الأبل في أحد المراكز التجارية، كان شيئا يشبه السحر.. ما أن لمست أصابعي لوحة مفاتيح الماك حتى أحسست برغبة عارمة لشراء هذا الجهاز.. لم أتمكن من إيجاد أي سبب.. وقعت في حبه فجأة و هذا سبب كاف جدا بالنسبة لي لأقتنيه.. لم أتردد أبدا، بعد أسبوع كان الماك بوك برو بين يدي رفيقا جديدا و مختلفا جدا.. جهازي السابق كان قد بدأ يحتضر فعلا، بعد علل كثيرة أصابته.. لكنه سيبقى عزيزا جدا على قلبي و لن أقبل أي إهانة تلحق به..

ماذا أيضا؟ خطواتي الأولى في مشروع جديد كنت أحلم به، كان التردد هو عائقي الوحيد.. في ليلة واحدة عجزت فيها عن النوم.. باغتني التفكير به فجأة و سبب لي أرقا لا يطاق، فكرت بكل شيء و عزمت الأمر.. صباح اليوم التالي كنت أسرد فكرتي على من حولي، لم أجد حماسا كبيرا لكني لم أجد معارضة أيضا.. يفصلني عن تنفيذ أول طلب أسبوع واحد فقط.. أظن أني سأحتاج كثيرا من دعوات..

تَقْتَاتُ الوَهْم

10 أبريل 2009

حين تكون وحيدا، تكتشف أوجها جديدة للعالم.. لم تكن قادرا على رؤيتها أبدا في خضم ضجيجهم، يتمدد الوقت بك حتى يتسع لكل شيء.. ثم تكتشف أنه لا يريد أن ينفد أبدا.. تقرر أن تنتزع قشرتك الخارجية، عل قشرة جديدة تنمو لك.. أنت بحاجة لأن تتحرر منها.. باتت متصلبة جدا، تكاد تخنقك.! تحاول أن تكون أنت التي تعرفها منذ عشرات السنين، لكنك تفشل حتى في أن تكون مجرد جزء منها.. يمتد بك الفراغ، يملأ المسافة الفاصلة بين جفنيك و وجنتيك، ينسكب الغمام مطرا رماديا.. يسقي أرض الأمس ليحيي ذكريات عفنة و أمنيات عاشت متطفلة في الجزء المظلم من روحك..

لا شيء يجعلك تتعلق بالأمس إلا سنوات من وهم مضغتها على عجل و أنت تسافر وحيدا.. رغم كل من هم حولك، تغمض عينيك و تفتحها.. لتكتشف أنك كبرت سريعا دون أن تشعر، بينما لا زالت الروح النائمة في داخلك روح طفل تتوق إلى الطيران في فضاء يشبهك، إلى التحرر من كل القيود التي تثقلك، إلى موجة تعانق خيالك، إلى أرجوحة تهدهد أحلامك، إلى أشياء/أزمان/أماكن تمنيت لو كنتها ذات عمر..

نقتات الوهم إذ نحيك من الأمنيات أثوابا مترهلة، لم تكن يوما لتناسبنا.. و حين نستيقظ لنواجه الواقع، نجد أنا قد كبرنا في غفلة عن أحلامنا الطفلة.!

مُشَتّتَةٌ كَغَيْمَة

23 مارس 2009

حتى حين أحاول أن أنسى، يبقى هذا اليوم حاضرا في ذاكرتي العتيقة، متيقظا كقط ينتظر لحظة الانقضاض، يذكرني أن كل محاولات النسيان ما هي إلا تجارب فاشلة، يستحضر كل الخيبات التي كانت.. و الأمنيات التي ما عادت.. و اللحظات التي مضت كحلم عابر.. كيف يمكن لهذا اليوم أن يكون متضخما بالصمت مثلك؟ ممتلئا بعمر من الهزيمة؟ ناطقا بسنوات من الألم و الحسرة؟ لم لا يكون عبقا بالسعادة؟ مغتسلا بالفرح؟ مبللا بالأمنيات الجميلة؟ ربما لأنه يأتي دائما، دون أن تأتي أنت.. و شتان بينكما.!

منذ أسابيع و أنا أحاول أن أستجمع شتاتي لأكتب، لكن الأحرف تهرب مني إلى حيث اللامكان.. أزور المدونة كعابر سبيل، و أخرج سريعا متخفية بدقائقي اللاهثة كعقارب ساعة تعمل منذ الأزل، مضى يوم ميلادي دون أن أتذكره.. كان ذلك الصباح غارقا في الضباب، استيقظت باكرا لأجد أقدامي تقودني للدرج المؤدي إلى السطح.. عبرت الباب للمرة الأولى منذ انتقالنا للبيت الجديد.. كان الضباب ينتظرني بنشوة عند العتبة، أحببت الرطوبة التي تجمعت حولي لتحتفل بمقدمي، سرت حافية القدمين على الأرض المبللة، وقفت أتأمل الزرقة الممتزجة بخط الأفق كلوحة ألوان أفسد المطر ملامحها.. كان طائر صغير يقف على الحافة يراقب الكون الغارق مثلي.. النوافذ غارقة في سبات صباحي، و أبواب البيوت مواربة بخجل، الشارع يبدو خاليا كحلم نفضه أصحابه.. فرد الطائر أجنحته و تركني وحيدة، عدت أدراجي.. و أغلقت الباب خلفي.. كأن بابا من حلم قد أُغلِق..!

 بات عمر مدونتي عاما كاملا دون أن أنتبه لذلك.. كان ذلك قبل عشرة أيام أو يزيد، لكني أعيش هذه الأيام حالة تجعل التفاصيل الصغيرة تسقط مني سهوا، هو مارس من كل عام.. يكون حافلا بالكثير.. عام كامل و أنا أحلق بين الغيمات.. أقطف النجمات و أصنع من حبات المطر عقودا أزين بها أحلامي الصغيرة.. عام كامل و هذا المكان يهديني لحظات حالمة كالسحر، و يحتويني كظل في هجير الصحراء، يمنحني قلوبا جميلة و غيمات ماطرة.. كل عام و مدونتي بخير..

أبدو مشتتة و أنا أحاول أن أجمع أطراف الحرف، كأن الأيام تستعجلني لأدون ما في داخلي قبل أن يفوت أوانه.. ماذا بقي لأقول؟ معرض أبوظبي الدولي للكتاب.. كنت أرتقبه بشوق، في ذلك اليوم كنت متحمسة جدا..  كعادتي حين أكون متحمسة لأمر ما، أجد صعوبة بالغة في النوم.. استيقظت باكرا جدا، قبل صوت المنبه بساعة أو أكثر.. مر الوقت بطيئا، شحنت بطارية الكاميرا، كتبت قائمة الكتب، رتبت حقيبتي، خرجت من البيت الساعة الثامنة و النصف.. كان الزحام قد بدأ ينفض تدريجيا عن شوارع العاصمة.. خفق قلبي حين لمحت برج مركز المعارض من بعيد و هو يبدو تحت الإنشاء، أوقفت سيارتي في مبنى المواقف الخلفي.. دخلت القاعة الفسيحة لأجد طوابير طويلة من طلاب و طالبات المدارس مصطفين بانتظام.. ارتسمت ابتسامة على شفتي و أنا أراقب تصرفاتهم الطفولية، تذكرت أول زيارة لي لمعرض الكتاب.. حين كنت في المرحلة الإعدادية، كنت متهيبة جدا من شراء الكتب و لم أخرج بالكثير.. لكنها زيارة لا أنساها أبدا..

من البوابة الرابعة بدأت جولتي، كالعادة الدور الرسمية الممثلة للمنظمات الثقافية و الأدبية، كنت أحمل الكاميرا بيدي، لكني شعرت أنها ستشتت ذهني و لن أتمكن من التركيز على الكتب، قررت أن أؤجل التصوير لحين انتهائي من الشراء، بدأت بجناح المجمع الثقافي.. اقتنيت نسختين من كتاب ابتسام المعلا و مجموعة قصصية لروضة البلوشي، إضافة إلى مجموعة من الكتب السمعية.. المحطة التالية كانت دار الشروق، هناك شعرت بنهم كبير لشراء الكتب.. أدركت أني لن أستطيع الحركة بحرية مع هذه الأكياس الثقيلة.. البائع كان كريما و وافق على الاحتفاظ بالأكياس لحين عودتي.. التسكع بين أكوام الكتب يمنح بهجة و متعة لا تقاوم، و لأن قائمتي لم تكن طويلة، لم أهتم كثيرا بالتفاصيل الصغيرة.. سأشتري ما تقع عيناي عليه و يهفو له قلبي، أصبحت أراقب الناس و هم يمارسون طقوسهم في شراء الكتب.. رجل مسن و مقعد على كرسي متحرك، تدفعه خادمة آسيوية.. جاء لزيارة المعرض.!

طلاب المدارس من الذكور كانوا منشغلين بالتسكع و إلقاء التعليقات الساخرة، و تقليب الكتب أحيانا بجهل يبدو جليا من أعينهم.. كنت أرثي لحالهم فعلا، أحدهم يقول: ما شي شغلة، خلنا نخلص من كتب المدرسة عشان إنيي نشتري هالخرابيط.. المدرسين لم أجد لهم أي أثر، بينما المدرسات على النقيض تماما.. يحملن كوبونات المعرض الممنوحة للمدارس و للطالبات و يبحثن بتفان عما يشترينه، الصغيرات بحقائبهن الملونة و جدائلهن الجميلة يتجمعن حول البائع ليسألنه عن أسعار كتبهن الملونة، يدفعن السعر من كوبوناتهن بسعادة بالغة.. طالبات الثانوية كن منشغلات بشرب القهوة و تناول المثلجات، و ملاحقة تركي المريخي - الحكم في برنامج شاعر المليون - ليلتقطن له صورا، هن لم يسلمن من مشاكسات الطلاب و معاكساتهم الساذجة، يقلبن الروايات و المجلات الفنية و لا يعرفن ماذا يخترن منها، هن حائرات.. كعادة الفتيات في هذه السن..

حين بلغت الساعة الحادية عشر و النصف كنت قد اشتريت أغلب ما جئت لأجله، إضافة إلى المزيد الذي لم أخطط له.. عدت لدار الشروق، أودعته بقية كتبي و توجهت إلى المقهى.. كانت الطالبات قد تعبن أيضا من كثرة التجوال و افترشن الأرض بجوار حقائبهن و أكياسهن، يتناولن العصير و السندويشات و يثرثرن بأسلوب محبب جدا، أفتقده منذ زمن.. استأذنت إحداهن لأجلس إلى طاولتها، وافقت دون أن تبتسم.. لم تكن مبتهجة.. كانت ترتدي ثوب الإبتدائية الرمادي و الزهري.. حتى الزي المدرسي تغير عما كان عليه قبل سنوات.. حين جلست زميلتها، شعرت أني قادرة على الحديث معهن أخيرا، لا أدري لم كنت أبحث فيهن عني.. الطفلة التي كانت تشبههن جدا في زمن مضى..

وَقْتٌ بَدَل الضَائِع

5 مارس 2009

لا أشعر بشيء، كأني أتخبط وسط دائرة من فراغ.. أشعر أن جسدي يطفو، و يطفو حتى يكاد يصطدم بسقف السماء، كأن كل شيء يبدو عبثيا، و كأني هنا اليوم لأني لا أجد مكانا آخر أكون فيه، هل هذا هو الوقت بدل الضائع؟ ما عاد الزمن يشعر بي، و ما عاد يهتم بوجودي في ركبه أم لا، سيمضي.. بي أو بدوني، لن يتوقف لحظة بانتظار أن ألتقط أنفاسي..

تقرض الحمى أطراف روحي، لا تلقي بالا لكل الأدوية التي ألتهمها، تترك أطرافي مرتعشة، بينما تفور براكينها في صدري.. في كل مرة تزورني أشعر أنها تقربني من الموت، لا أهابه.. لكني سأقلق على كل الأشياء العالقة من بعدي.. كل تلك الأمنيات الصغيرة التي لم أحققها، كأن أصنع رجلا من الثلج، أو أؤلف كتابا، أو أزور مدينة أحلم بها منذ سنوات، أو أشرب قهوة تحت المطر..!

حمقاء جدا أمنياتنا التي لا تشبه أحدا سوانا، ليتها تدرك أنها تدفع ثمن هذا غاليا، فحين نموت.. ستندثر، و لن يسعى لتحقيقها أحد..

عَدٌّ تَنَازُليّ

19 فبراير 2009

أقف الآن عند ذات النقطة التي كنت تقف فيها يوم التقيتك أول مرة.. كم سنة مرت على ذلك اليوم؟ لا أدري بالتحديد.. فقد توقفت عن عد السنوات و الأيام منذ اخترت الرحيل، كنتَ يومها شجرة وارفة الظلال، و كنتَ تبدو أكبر بكثير مما أنت عليه حقيقة.. بينما كنتُ للتو أتخطى أعتاب العشرين و أبدو كطفلة تقف على رؤوس أصابعها لتبدو أطول قامة، قلت لك: علمني، فابتسمت بأسى و أجبت: ستعلمك الأيام، هي تجيد ذلك دائما..

الآن، و أنا أعبر مسالك العمر، أجد السنوات تتسرب من بين أصابعي، و أرى الثلاثين قاب سنتين أو أدنى، أجدني أزحف نحوها بخطى لا أقوى على التراجع عنها.. أشعر أني أصبحت أكبر بكثير مما يجب، كأني شخت عقودا في سنواتي الأخيرة، كأن كل تلك الأيام الماضية، ما كانت إلا حلما عشته في عمر آخر، كنته ذات غفوة.!

العد التنازلي صار يخيفني، أشعر أني أزحف نحو أجلي، كيف أستطيع أن أتماسك حتى ذلك اليوم؟ كيف أرمم نفسي كي تقوى على الوقوف بشموخ أمام زلازل الأيام القادمة؟ أنت لست هنا، و لن تكون أبدا.. بت أؤمن جيدا بهذه القناعة و أقتاتها كل يوم كي تتغلغل فيّ أكثر و تميت كل ذرة أمل ما زالت تجاهد كي تبقى على قيد الحياة، كل تلك الأحلام المؤجلة التي أهديتني إياها.. ركنتها في زاوية من قلبي، صارت الآن صدئة جدا.. تآكلت أطرافها.. و تبدلت ألوانها.. ربما بفعل الرطوبة و البرد و الحر.. و كل الظروف التي تعاقبت عليها فيما بعد، ما عدت أهتم بها كثيرا أو أبالغ بالعناية بها، يكفيني أنها لا زالت مكومة هناك، تحت ناظري.. ألتفت إليها لأتأكد أنها ما عادت صالحة للاستعمال بعد اليوم.. لذا لا تتعب نفسك بالعودة، ما عاد في العمر متسع لك..

. . .

19 فبراير 2009

غاضبة أنا

 

لا تسألوني عن السبب..

حِذَاءُ أَبِي

12 فبراير 2009

كنت أتناول طعام الإفطار، حين دخل أبي من الباب الخلفي يحمل صندوقا كبيرا مليئا بالأحذية، افترش الأرض.. فرد أمامه قطعة من جريدة عتيقة و بدأ بصف الأحذية فوقها، كنت أراقبه و هو يقوم بطلاء الأحذية، تلميعها، و إصلاح بعضها.. كان سعيدا جدا و الأطفال ملتفون حوله يراقبون ما يفعل.. منذ طفولتي أذكر تماما وجهه و هو يقوم بتنظيف أحذيته و تلميعها، ثم يتركها لتجف فوق قطعة جريدة،  طقسه المعتاد منذ الأزل.. كان يحتفظ بعلبة تحت الدرج المؤدي إلى السطح.. بها ألوان شتى من الأصباغ و فرش التنظيف، اللون الأسود، البني، الأبيض، البيج و صبغة شفافة تتناسب مع أي لون.. كنت أحيانا أستعيرها لألمع حذائي المدرسي.. أتذكر رائحتها جيدا تفوح في البقعة الصغيرة تحت الدرج..

قال لي: انظري هذا الحذاء عمره سبع سنوات، و هذا خمس سنوات، هذا اشتريته من بانكوك، و الآخر من الهند، هذا من السعودية، و هذا من محل رخيص في الفلبين لكنه لا زال جيدا..!

أحذيته تحتفظ بهوية تشبه المدن التي جاءت منها و بعمر يتذكره جيدا، و هو يحمل لها وفاء خاصا.. كان بعضها لا زال جديدا.. بينما البعض الآخر لا يصلح إلا ليرتديه و هو يعمل في حديقة البيت.. في كل سفر يتصل ليسألني عن مقاس حذائي، هو يفضل دائما شراء الأحذية كهدايا يقدمها لنا بسعادة حين يعود من سفره..

حين رأيته يلمع أحذيته، تذكرت آخر مرة خرجت فيها.. كنت أبحث عن حذائي بلا جدوى، التقطت أحد أحذية أختي و خرجت مسرعة للسيارة.. و حين كنت في السوق فكرت بشراء حذاء جديد، لكني لم أتحمس كثيرا، أعرف أني لن أجد أبدا ما أبحث عنه إلا بصعوبة بالغة.. أحاول أن أوثق تاريخي مع الأحذية.. لم أكن وفية لها يوما رغم أنها متشابهة جدا..  جميعها مسطحة، جميعها بنية اللون، جميعها رسمية أو أقرب إلى الرياضية، لم أهتم يوما بشكلها أو أناقتها.. لا أشتري الأحذية اللامعة البراقة أو ذات الكعب العالي أبدا، مشكلتي الأزلية مع قدمي العريضة و المسطحة تجعلني أكره الأحذية و أكره شراءها، أكره الاهتمام بها و أكره الاحتفاظ بها إن كنت لن أستخدمها..

انْطَفَأَ صَوْتُ الصّبَاح

4 فبراير 2009

حين استيقظت هذا الصباح لاحظت أن الكون أصبح أكثر هدوءا من حولها، لم يزعجها صياح الديك في بيت الجيران منتصف الليل، و لم يوقظها لهو الأطفال الصاخب قرب باب غرفتها، و لم تنزعج من أعمال الحفر و الصيانة في الشارع المقابل منذ الصباح الباكر.. اليوم يسير كل شيء بهدوء و تأن، و كأن العجلة اختفت فجأة من العالم و أصبح كل ما حولها قابلا لإعادة النظر و التفكير.. 

جلست لتناول الإفطار، كان الببغاء الموضوع في القفص قرب النافذة القريبة هادئا، لم يبادرها بتحيته المعتادة ” سلام عليكم”، و لم يثر ضحكها و هو يقلد أصوات الأطفال و القطط.. كان البيت هادئا على غير العادة.. لا تسمع صوت الأطفال و هم يرددون الأغاني بإيقاع متناسق مع قناتهم المفضلة.. مشت قليلا قرب الباب ثم عادت لغرفتها لتديرالمذياع على إذاعة الشارقة، حيث قارئها المفضل خليفة الطنيجي يرتل القرآن بصوت عذب، بعد لحظات جاءتها الخادمة و هي تصرخ بانزعاج: ” ماما هذا واجد عالي، إنت ما في يسمع؟؟”

في الأسابيع القليلة الماضية أصبحت تفوت أوقات الصلوات، لأن الساعة التي علقتها قرب باب غرفتها ما عادت تطلق الأذان في وقتها المحدد، دخلت زوجة ابنها الغرفة تدعوها لتناول الغداء و الضجر باد على ملامحها، تقول أنها منذ ساعة تطرق الباب.. ” كنت أصلي، ما سمعتج.!” ابنها لاحظ أنها ما عادت ترد على مكالماته الهاتفية إلا بعد أن يعاود الاتصال أكثر من مرة، و هو بحاجة لأن يصرخ كي تسمع ما يقوله..

حين بدأ ذلك الطنين يزاحم الأصوات في أذنيها، أدركت أن الحياة ستخفت من حولها.. و أنها ستفتقد قريبا كل الأصوات التي ملأت أيامها حياة و صخبا طيلة السبعين سنة الماضية من عمرها، استغفرت الله كثيرا على أيام صباها، حين كانت تستمع خلسة لمواويل حاتم العراقي و أغاني أم كلثوم، كانت تلك اللحظات المسروقة من أيامها كظلال خضراء تستظل بها لتقيها قيظ الحياة من حولها، تتذكر صوت ذلك المؤذن الشاب الذي دخل قريتها ليمنح حياتها عذوبة مع كل أذان يرفع، تقف قرب الدرج المؤدي إلى السطح و تستمع له.. و حين تقدم لخطبتها، فار والدها و ثار.. لم تسمع صوته بعد ذلك اليوم..

حين تفرغ ابنها أخيرا ليأخذها للعيادة، كانت الأصوات تصلها مبهمة غامضة، كأنها آتية من قاع بئر سحيق.. و حين يصرخون كي تسمعهم، كانت الأصوات تستحيل لصدى يرتطم بجدران عدة قبل أن يصلها أخيرا مشتتا و مبعثرا، في غرفة الاختبار الصغيرة جلست و الجهاز بيدها.. استمعت بإنصات لتعليمات الطبيب، من النافذة الزجاجية الواقفة كغلالة شفافة بينها و بين ابنها.. تأملته و القلق باد على وجهه، هل يخشى أن تفقد سمعها؟ هل ستتغير الحياة حينها؟ كم سنة بقيت لها في رصيد أيامها كي تخشى عليها؟ ألم يرحل زوجها و يتركها قبل سنوات عدة تتنقل من بيت لآخر بقلب كسير و عين دامعة؟ ألم تتمكن من اعتياد حياتها بعد ذلك؟

لم تهتم كثيرا بما قاله الطبيب لابنها، في السيارة حين ناولها ابنها كيس الدواء.. تناولتها بيد مرتعشة.. عادت لغرفتها، حملت جهاز التسجيل، استخرجت منه بطارياته القديمة و أعادته لكرتونه الممزق المركون في الرف السفلي من خزانتها إلى جانب كيس الأدوية، نامت دون أن تتناول عشاءها.. و حين أسدلت ستائر الغرفة كان ضوء هاتفها النقال يومض في الظلمة، رمت به في الدرج المجاور للسرير.. أغمضت عينيها و استسلمت أخيرا لنوم هادئ جدا.. أكثر هدوءا مما كان في أي يوم سابق من حياتها..