‘نجمات ناضجة‘

في حَقَائِبِ سَفَرِهِم

22 مارس 2010

أحتاج الآن بياضا أرتمي فيه، علي أسكب شيئا مما يتراكم في القلب.. حين تعبر الغيمة أرضا جدباء، لن يكون عبورها دون أثر.. فهي إما أن تسكب غيثا يحيي الأرض.. أو تمنح ظلا يشعل النشوة في القلب،، هكذا كنت حين تعثرت بك أوجاعي.. لمسة منك كانت كافية ليستحيل الوجع فرحا.. و اليأس أملا.. أي سحر تملكه يداك؟

لبرهة، وقفت مشدوهة.. عقدت الدهشة لساني و أنت تقول: “لا أريد أن تمنحيني شيئا، خُلقتُ لأجل أن أمنحك أنا.. منحتِ كثيرا.. ملايينا من البشر، لا أريد أن أكون منهم! حان الوقت لتستريحي” لا أدري هل شعرتُ بالمهانة أم البهجة!! ترد عطائي! لم يسبقك إلى هذا بشر..! لا يحدث كثيرا أن نصادف من هم مثلك! من يرفض أن يأخذ.. بينما يمنح ببسمة دائمة.. و دون مقابل..! ربما روح الأم في داخلي شعرت بالمهانة.. أما روح الأنثى فقد استطالت غرورا و بهجة!

هناك أغلقت أبواب الكلمات، حين شرعت القاعات لاستقبال المسافرين العائدين إلى أوطانهم، حاملين في حقائبهم الجلدية الصغيرة.. ثيابهم الأثيرة، جوازات عبورهم، أحلاما جميلة، أمنيات صغيرة، و القليل القليل من التفاصيل التي تشبههم، كأن القلوب مطارات لا تغلق أبوابها أبدا.. لا تمل من استقبال القادمين و توديع الراحلين.. تألف أصوات الطائرات و تأوهات المسافرين و أشواق الغائبين و لهفة المحرومين.. تمنحهم وجبة غداء سريعة، و ساعات انتظار طويلة، كأن القدر الذي ربط قلوبهم بالسماء و الغيمات العابرة، و التحليق فوق المحيطات و البحار.. سيأخذهم يوما إلى حيث ترسو آمالهم.. في بقاع مبعثرة من الأرض.. صفراء و زرقاء،، شمس دائمة و ذرات غبار عالقة.. و شاطئ يتيم إلى أحضانه ترتمي الموجات كل مساء..

أي شيء آخر في هذا الكون قادر على أن يبعثرنا؟ أي شيء سوى إعصار قادم من حيث لا نعلم.. ذاهب إلى حيث لا نعلم.. أي شيء قادر على أن يعيد ترتيب تفاصيلنا و لحظاتنا و أجندة أيامنا،، سوى الأمنيات التي تظل عالقة طويلا طويلا بين السماء و الأرض، تحلق فوق أجنحة صدئة لتعود حين تشرق الشمس أو تغيب..!

عَالِقَةٌ فَوْقَ الغُصْن

30 أكتوبر 2009

حين دخلتُ القاعة، كانت تقف إلى جوار والدتها تستقبل المهنئين.. ترتدي ثوبا سكريا أنيقا تزينه زهرات حمراء كبيرة.. و تضع الكثير من المساحيق على وجهها ، بالكاد عرفتها.. شعرها بصبغته الكستنائية تختبئ على طرفه زهرة شبيهة.. لا أدري لم شعرت أنها بالغت في زينتها هذه المرة، ربما عمدا.. لكنها كانت دائما جميلة..

قلت لها مداعبة: أوووه، يبدو أنك تحاولين منافسة العروس هذه الليلة.!

أطلقت ضحكة عالية و تعليقا ساخرا كعادتها، بعد أن ابتعدتُ.. تمنيت لو لم أقل لها ما قلته، شعرت أني بدوت سخيفة بهذا التعليق.. تذكرت أنها استلمت قبل أشهر فقط وثيقة طلاقها..!

غرقت في الزحام و أنا أحاول البحث عن وجوه شقيقاتي اللاتي سبقنني إلى القاعة، سحبت مقعدا و جلست على طاولتهن، كانت تجلس سيدة لا أعرفها مع ابنتيها، و البعض من صديقات أختي الصغرى..  صوت المطربة كان عال جدا و مضجر بدرجة لا تطاق، كنت أرى الشفاه تتحرك.. لكني لا أسمع أي شيء سوى صدى الموسيقى و الكلمات التي أعجز عن سماعها لأنها تجاوزت عتبة التنبيه في أذني.! أكره أجواء الاحتفالات جدا.. كل شيء لامع و براق.. الوجوه تبتسم ابتسامة (بلاستيكية) زائفة، و تجامل بكلمات خرقاء تتطاير في الهواء فور اجتيازها للشفاه.. كنت أراقبها و هي تقوم باداء دورها كأخت للعريس على اتم وجه، تبتسم في وجوه الحاضرين، تتحدث مع هذه.. و تضحك مع تلك.. تطير من طاولة إلى طاولة كفراشة ملونة.. تحب الحياة وتعشق الفرح، كنت أود أن أقف أمامها.. أنظر في عينيها و أسألها:

- هل أنت سعيدة حقا؟ أم أنك تبالغين في أداء هذا الدور الآن كي لا يشفق عليك أحد؟

لا أريد أن أقسو عليها.. لكني أكره أن أراها تقسو على نفسها.. في اليوم السابق، حين دخلت خيمة الاحتفال بليلة الحناء رأيتها ترتدي ثوبا أنيقا و ترقص.. ابتسمت بسخرية حين سمعت كلمات الأغنية المنبعثة من جهاز التسجيل: ” ننسى الي فاتنا و نعيش حياتنا “.. كنت أنظر إلى عينيها، أبحث فيهما عن الحقيقة.. هل تريد أن تنسى حقا ما فاتها و تستدرك ما بقي لها من حياة؟ رقصت طويلا حتى أعياها التعب.. كأنها تريد أن تبرهن للجميع أنها لا تبالي بنظرة المجتمع لها كامرأة مطلقة..!

تقول أمي: ” محد يعرف الي بين الحرمة و الريال غير الله “، كانت تؤدي دور الزوجة المخلصة المطيعة الراضية لسنوات.. لم يرزقها الله الأطفال، و ظلت أمنيتها هذه مخبأة في أحشاء القلب.. تكتفي بالرد على أسئلة النساء الخبيثة بضحكة رنانة.. و عبارة ترددها بآلية مقيتة: ” الله يرزق متى ما يبي “.. هل كانت تعلم أن حرمانها من الأطفال نعمة ستحمد الله عليها فيما بعد؟

دخل السجن.. لم تكن تلك زيارته الأولى، كان له سجل طويل من الشغب و السلوك الملتوي.. لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها أبدا، كما أنه دخل هذه المرة برفقة أخيه التوأم.. مسألة شائكة و عويصة، اختصرها الجميع بقولهم أنها قضية أخلاقية.. التفاصيل تختلف من رواية لأخرى.. لكن الحكم على القضية جاء مزلزلا، السنوات التي حكم فيها كانت طويلة،، أطول مما يمكن أن يتخيلها عقل..! لم تتملص من دورها كزوجة أبدا، ظل مسكنها في بيت أهل زوجها كما كان من قبل.. حصلت على وظيفة أخيرا و اشترت سيارتها من مالها الخاص، ستعيل نفسها من الآن فصاعدا.. كما أنها ستتكفل بمصاريف زوجها القابع خلف القضبان..! كنت أفكر حين أسمع بأخبارهم: كيف يمكنها أن تطيق زوجا مدان بقضية كهذه؟ لم لا تطلب الطلاق كي تحفظ كرامتها؟ قالوا: هو مظلوم.. و ألبس التهمة .. نحن في مجتمع يفترض حسن النية للرجال دائما..

كم سنة مضت على مكوثه خلف القضبان؟ لم تكن تفوت موعد زيارة.. تحمل له مصروفه الشهري و كل ما يحتاجه.. لم تكن تنتظر أن يقول الناس عنها: ما أوفاها من زوجة!! كانت تفعل ذلك لأنه واجب ملقى على عاتقها.. لكن الأيام كانت تخفي لها ما لا تعلمه.. كشرت عن أنيابها فجأة، و ضحكت بسخرية لاذعة على جراحها الندية..

صار يتملص من رؤيتها، و ما عاد يتصل بها أو يرد على مكالماتها.. أرسلت له أكثر من مرسال،، لم تكن تعلم أن النار تتقد من حيث أمنت هي، لم تسلم من دسائس حيكت لها من أقرب الناس إليها، و حين صار الدخان يتطاير في السماء أدركت كم كانت غبية، وجدت نفسها فجأة وسط نار متقدة.. وحيدة دون مؤنس أو معين،  كانت تأتيه تهديداته على لسان شقيقاته و عماته، سيلا منصبا لا يتوقف، حملت ثيابها  و عادت خائبة لبيت والدتها، بكت في حضنها كثيرا.. 

حين استشارت محاميا، تعجب من صبرها..! قال لها: كان بإمكانك طلب الطلاق منذ أول يوم صدر فيه الحكم، قالت والدتها: ما كنا نبي الفضايح.. صمتت هي.. قررت أن ترفع دعوى طلاق، استشاط غضبا و كانت براكينه تفور: لن أطلقها، سأبقيها معلقة حتى آخر يوم من عمرها، سأريها الويل، سأخرج من السجن و أتزوج من أخرى كي أذلها و أهينها.. س… س… س…. كانت صرخاته تضيع في الفضاء… ما حيلة المقيد و هو يصرخ من خلف قضبان سجنه؟

حصلت على وثيقة الطلاق أخيرا، تحررت منه.. تحررت من ظلمه.. تحررت من المهانة التي عاشتها لسنوات، لم تتغير ضحكتها أبدا، لم تتغير ابتسامتها، لم يذو وجهها، لم تعش اكتئاب ما بعد الطلاق، ما عاد يعنيها أنها تجاوزت عتبة الثلاثين،، و هي الآن في بيت والدتها.. دون زوج.. دون ولد.. على الأقل وجدت نفسها بعد أن ضيعتها سنوات طويلة….

حين رأيتها آخر مرة.. كانت قد صبغت شعرها بلون أحمر.. قلت لها: وش هالصبغة المجنونة؟ قالت: ما عليج، هالصبغة طيحت وايد ناس.. فهمت من شقيقتي أن خطابا كثر تقدموا إليها.. لكنها رفضتهم جميعا.. ليس لأنها لا تريد الزواج، بل لأنهم لم يناسبوها.. متزوجون، مطلقون، لديهم أطفال، أو كبار في السن.. شقيقة أحدهم قالت لها غاضبة حين ردت عليهم بالرفض: شو مفكرة نفسج؟ تبين إييج ريال بقراطيسه؟ أجابتها: ما أبي ريال بقراطيسه، بس مو مجبورة آخذ واحد معرس و لا عنده عيال عشان أعيش.. حياتي أقررها مثل ما أنا أبي مو مثل ما المجتمع يبي…

انْطَفَأَ صَوْتُ الصّبَاح

4 فبراير 2009

حين استيقظت هذا الصباح لاحظت أن الكون أصبح أكثر هدوءا من حولها، لم يزعجها صياح الديك في بيت الجيران منتصف الليل، و لم يوقظها لهو الأطفال الصاخب قرب باب غرفتها، و لم تنزعج من أعمال الحفر و الصيانة في الشارع المقابل منذ الصباح الباكر.. اليوم يسير كل شيء بهدوء و تأن، و كأن العجلة اختفت فجأة من العالم و أصبح كل ما حولها قابلا لإعادة النظر و التفكير.. 

جلست لتناول الإفطار، كان الببغاء الموضوع في القفص قرب النافذة القريبة هادئا، لم يبادرها بتحيته المعتادة ” سلام عليكم”، و لم يثر ضحكها و هو يقلد أصوات الأطفال و القطط.. كان البيت هادئا على غير العادة.. لا تسمع صوت الأطفال و هم يرددون الأغاني بإيقاع متناسق مع قناتهم المفضلة.. مشت قليلا قرب الباب ثم عادت لغرفتها لتديرالمذياع على إذاعة الشارقة، حيث قارئها المفضل خليفة الطنيجي يرتل القرآن بصوت عذب، بعد لحظات جاءتها الخادمة و هي تصرخ بانزعاج: ” ماما هذا واجد عالي، إنت ما في يسمع؟؟”

في الأسابيع القليلة الماضية أصبحت تفوت أوقات الصلوات، لأن الساعة التي علقتها قرب باب غرفتها ما عادت تطلق الأذان في وقتها المحدد، دخلت زوجة ابنها الغرفة تدعوها لتناول الغداء و الضجر باد على ملامحها، تقول أنها منذ ساعة تطرق الباب.. ” كنت أصلي، ما سمعتج.!” ابنها لاحظ أنها ما عادت ترد على مكالماته الهاتفية إلا بعد أن يعاود الاتصال أكثر من مرة، و هو بحاجة لأن يصرخ كي تسمع ما يقوله..

حين بدأ ذلك الطنين يزاحم الأصوات في أذنيها، أدركت أن الحياة ستخفت من حولها.. و أنها ستفتقد قريبا كل الأصوات التي ملأت أيامها حياة و صخبا طيلة السبعين سنة الماضية من عمرها، استغفرت الله كثيرا على أيام صباها، حين كانت تستمع خلسة لمواويل حاتم العراقي و أغاني أم كلثوم، كانت تلك اللحظات المسروقة من أيامها كظلال خضراء تستظل بها لتقيها قيظ الحياة من حولها، تتذكر صوت ذلك المؤذن الشاب الذي دخل قريتها ليمنح حياتها عذوبة مع كل أذان يرفع، تقف قرب الدرج المؤدي إلى السطح و تستمع له.. و حين تقدم لخطبتها، فار والدها و ثار.. لم تسمع صوته بعد ذلك اليوم..

حين تفرغ ابنها أخيرا ليأخذها للعيادة، كانت الأصوات تصلها مبهمة غامضة، كأنها آتية من قاع بئر سحيق.. و حين يصرخون كي تسمعهم، كانت الأصوات تستحيل لصدى يرتطم بجدران عدة قبل أن يصلها أخيرا مشتتا و مبعثرا، في غرفة الاختبار الصغيرة جلست و الجهاز بيدها.. استمعت بإنصات لتعليمات الطبيب، من النافذة الزجاجية الواقفة كغلالة شفافة بينها و بين ابنها.. تأملته و القلق باد على وجهه، هل يخشى أن تفقد سمعها؟ هل ستتغير الحياة حينها؟ كم سنة بقيت لها في رصيد أيامها كي تخشى عليها؟ ألم يرحل زوجها و يتركها قبل سنوات عدة تتنقل من بيت لآخر بقلب كسير و عين دامعة؟ ألم تتمكن من اعتياد حياتها بعد ذلك؟

لم تهتم كثيرا بما قاله الطبيب لابنها، في السيارة حين ناولها ابنها كيس الدواء.. تناولتها بيد مرتعشة.. عادت لغرفتها، حملت جهاز التسجيل، استخرجت منه بطارياته القديمة و أعادته لكرتونه الممزق المركون في الرف السفلي من خزانتها إلى جانب كيس الأدوية، نامت دون أن تتناول عشاءها.. و حين أسدلت ستائر الغرفة كان ضوء هاتفها النقال يومض في الظلمة، رمت به في الدرج المجاور للسرير.. أغمضت عينيها و استسلمت أخيرا لنوم هادئ جدا.. أكثر هدوءا مما كان في أي يوم سابق من حياتها..

وَطَنٌ مِنْ سَرَاب (2)

30 يناير 2009

هنا، كانت الحياة خصبة لبذر أحلامها.. نمت سريعا و أثمرت، حققت كل ما كانت تتمناه، في طفولتها كانت مولعة جدا بسرقة سيارة والدها و قيادتها في أحياء مانيلا الضيقة، لطالما حلمت دائما أن تستعيض عن أقدامها بعجلات السيارة، و حين استلمت رخصة قيادتها.. كانت سيارة شقيقها ملاذها الوحيد، تخطف منه المفاتيح و تجوب الطرقات التي تعرفها جيدا… و حين جاءت للإمارات، لم تكن تطمح للعمل بشهادة الاقتصاد التي نالتها بدرجة أدنى من الامتياز بقليل، أخبرتها صديقتها عن حاجتهم لمدربات لتعليم قيادة السيارات، كانت النساء في هذه البلاد قد بدأن يشعرن برغبتهن في التعلم و الانطلاق.. لم تكن تفقه في أصول التعليم شيئا، لكنها بدأت تعلمهن ما تعرفه هي عن القيادة.. و يبدو أنها كانت تنجح في طريقها، ثمانية و عشرون عاما و هي تجوب الشوارع كل يوم على المقعد المجاور للسائق.. تثرثر، تضحك، و تسخر من الحياة.. و في نهاية الأسبوع تتصل بها المتدربات ليشكرنها على جهودها الرائعة، تمكن من اجتياز اختبار السواقة بنجاح.!

عادت لمانيلا في إجازة قصيرة، كان صيفا حارا هنا.. و هناك استقبلتها والدتها بوجه شاحب.. كانت الحياة قد ملت منها و تكاد تلفظها، عينا والدتها كانتا تفيضان بحديث طويل، و في أمسية دافئة سكبت كل ما في روحها، سألتها:

-  متى سترجعين لتعيشي معنا من جديد؟

-   ليس الآن، لا زال لدي الكثير لأنجزه هناك..

-  و حياتك؟ تخطيت أعتاب الثلاثين، حتى متى ستظلين كورقة هائمة في مهب الريح.. ستذبلين يوما و تندمين على أيامك التي فرطت بها..

-   لا أفهم.!

-   تزوجي..

الحكاية المعتادة، تريدها أن تتزوج كي ترى أطفالها قبل أن تموت، لم تفكر في الأمر كثيرا.. كان العثور على زوج أسهل مما يمكن تصوره، كثر هم الرجال الذين يبحثون عن امرأة مثلها.. بالنسبة لهم كانت تبدو كنزا من المال لن ينضب، هي فرصة ذهبية، ستتزوج، تترك زوجها و تسافر من جديد.. لتعيش حياتها كما كانت، لكن مع زوج يبعد عنها آلاف الكيلومترات و يقاسمها نصف ما تكسبه من مال.!

بعد سنوات عدة كان عليها أن تقلل من مصاريفها و تزيد من ساعات عملها كي تدخر المال لطفلها الذي سيأتي قريبا، بدأ بطنها يتكور مع مرور الأشهر.. و قبل موعد الولادة بشهرين عادت لكنف جدتها، كانت والدتها قد ودعت الحياة قبل أن تقر عينيها برؤية أطفالها، لم تمكث طويلا.. لقمته زجاجة حليب و ركبت مدرج الطائرة.. كانت تكتفي باكتشاف ملامح وجهه التي تتغير مع كل صورة جديدة يرسلها لها زوجها، و حين تعود في الصيف.. ينظر  الطفل لها بعين مرتابة، لم تتمكن أبدا من أداء دورها كأم له.. و لم يتمكن هو من حبها كما يجب..

حين أنجبت طفلتها الثانية، كان زوجها قد وجد له عشيقة يهيم في سمائها.. ترك الأطفال يكبرون عند خالتهم كيفما اتفق، و في نهاية الشهر حين يصله المال، ينفقه على ملذاته، و لا يمنح الصغار منه سوى الفتات.. لم تدرك هذه الحقيقة إلا متأخرة جدا.. فكرت بزوجها، خيانته لها، أطفالها المشتتين.. هل هذا ما أرادته دائما؟ لم ترفع يوما سقف آمالها كي لا تصاب بخيبة أمل، و هل كانت تتوقع من رجل مثله وفاء لا نظير له؟ أصبحت ترسل المال إلى شقيقتها و لم يكن هذا أفضل الحلول، في كل مرة يفلس جيبه يقف أمام بابها مثل كلب مسعور يهدد و يتوعد بأن يأخذ الأطفال إن لم تمنحه المال، ظل ذلك الثقب في حياتها مفتوحا.. تنزف منه دون أن تجد سبيلا للخلاص، هنا.. على شوارع تشتعل نارا تحت أشعة الشمس القائظة صيفا، و لا يأتيها المطر إلا شحيحا في الشتاء ظلت تنفق ساعات عمرها، أصبحت الطرقات تعرفها جيدا رغم أن سيارتها تشبه مئات السيارات التي تجوب العاصمة بطلاء أبيض و خطوط سوداء و برتقالية.. و لا فتة صفراء فاقعة تحمل علامة: ت L.

عند الساعة التاسعة و خمسة دقائق رن هاتفها من جديد، كانت متدربة أخرى تنتظرها.. ردت بصوت موجوع واهن، قالت لها أنها متعبة و لن تتمكن من إعطاء درس اليوم.. فجأة خطرت ببالها فكرة، أخرجت ورقة من درج مكتبها.. تناولت القلم و خطت كلمات مرتبكة، لم تفكر من قبل أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أم  آجلا، طوت الورقة.. أودعتها في ظرف أبيض، و على الظرف كتبت اسم مدير مدرسة تعليم القيادة الذي تعمل عنده.. تراءى لها وجه ابنتها و هي تنظر إليها بعين دامعة، كأنها تقرأ في عينيها سؤالا تعرفه جيدا: و مصاريف الجامعة يا ماما؟ من أين سآتي بها؟

هل ستعيش ما بقي لها من أيام  و هي تبعثر حياتها من أجل الآخرين؟ حتى لو كانوا أبناءها؟ أليس من حقها أن ترتاح أخيرا.. فكرت بكل ما ادخرته، قد يكفيها.. قد يكفيها لترتاح.. ليست بحاجة لأن تفكر بأحد بعد اليوم، رفعت سماعة الهاتف.. اتصلت بمكتب السفريات، تستفسر عن أقرب طائرة متجهة إلى مانيلا..

 

 

- تمت -

وَطَنٌ مِنْ سَرَابْ (1)

27 يناير 2009

 

حين استيقظت هذا الصباح، كان كل شيء يبدو أمامها ضبابيا و باهتا، و كأن عينيها فقدت القدرة على التركيز في بقعة محددة.. فركتهما بأطراف أصابعها.. أزاحت الستائر قليلا لتتكشف لها خيوط من أشعة الشمس تطل باستحياء من خلف غيمات تملأ الفضاء، نظرت إلى الساعة.. كانت تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق، فكرت للحظات: في أي يوم نحن؟ ثم تذكرت أنه يوم الأربعاء.. لديها موعد مع إحدى المتدربات في الساعة الثامنة، أي واحدة فيهن؟

بحثت عن دفتر ملاحظاتها وسط أكوام المجلات و الكتب المتناثرة على الطاولة الصغيرة المجاورة للسرير، قلبت الصفحة على تاريخ اليوم:

Sheikha, 8 - 10 am , Airport road – Pan Emirates building, mobile: 050 4496732

عادت إلى سريرها، تشعر أن شيئا ما يشدها اليوم لتتشبث بالفراش، لا تريد أن تخرج، لا تريد أن ترى أحدا.. هي متعبة فقط و بحاجة لأن ترتاح..  و كأن تعب السنوات الماضية كله تجمع اليوم ليثقل كاهلها.. لا يمكنها أن تترك الفتاة تنتظر، يجب أن تسرع، قد لا تكفيها الدقائق المتبقية للوصول في الموعد المحدد إلى حيث تقطن الفتاة، شارع المطار يكون مزدحما عادة في مثل هذه الساعة، غيرت ثيابها على عجل ثم بحثت عن مفاتيح سيارتها، من جديد تشعر أن ذاكرتها تخونها اليوم، أين ركنت سيارتها ليلة البارحة؟ مدت رأسها عبر الزجاج تنظر إلى السيارات المصطفة أسفل البناية، لا ترى شيئا.!

حملت مفاتيحها و توجهت إلى المواقف، كانت تبدو كعجوز أفقدها الخرف ذاكرتها و هي تبحث عن سيارتها التي اعتادت أن تركنها في مكان ما هنا منذ ثمانية و عشرين عاما، لم يسبق لها أن نسيت مكانها، فما الذي دهاها اليوم؟ رن هاتفها النقال:

 oh, hi shikha.. how are you dear? Am so sorry. Can we cancel the class for today? Am not feeling well.. thank you dear, see you  soon

كأن جبلا من الهم انزاح عن كاهلها، قررت أن تعود إلى فراشها، لم تهتم أبدا بجدول مواعيدها الذي ينتظر، اليوم سترمي كل شيء خلف ظهرها.. ستفعل ما تريده هي فقط، لا ما يتوجب عليها فعله.. حين دخلت الشقة مرة ثانية كانت رائحة خفيفة تفوح في الأرجاء، لم تتبين مصدرها.. لكنها كانت واثقة أن شريكتها في السكن قد خرجت منذ الصباح الباكر كعادتها، فتحت زجاج النافذة على مصراعيها.. كانت تحاول أن تتنفس، أخذت حماما سريعا، تحت رشاش الماء وقفت طويلا بعين مغمضة، تسمع صوت القطرات و هي تنسكب حولها، كأنها تغسل روحها المرهقة، تركت خصلات شعرها تقطر ماء… توجهت إلى المطبخ المحشور في زاوية الشقة لتعد فنجان قهوة، زجاجة القهوة كانت فارغة.! لا تذكر متى كانت آخر مرة ابتاعت فيها قهوة.. لا تحب شرب الشاي أبدا، فتحت الثلاجة و بصعوبة استطاعت أن تعثر على عبوة الحليب وسط الفوضى التي تملأ الثلاجة، كانت ثلاثة أيام قد فاتت على تاريخ إنتهاء الصلاحية، ألقتها بعصبية في سلة المهملات.. قطعة الجبن الوحيدة الموجودة في الثلاجة تعلوها بقعة خضراء مخملية من العفن.. الخبز متيبس في كيس مثقوبة على رف المطبخ، كيف زحفت الفوضى لتجتاح حياتها دون أن تشعر؟ كيف كانت الأيام تتسرب من بين أصابعها و هي لا تدرك أبدا حقيقة ما يحدث حولها؟ سنوات مضت من عمرها و هي تعيش على الحد الفاصل بين الحياة و الموت، شبح إنسان.. تعمل و تأكل و تجمع المال في نهاية الشهر  لتضعه في مظروف و ترسله إلى زوجها الذي يشتكي دائما أن المال ما عاد يكفيهم..

عادت إلى سريرها، حاولت أن تغمض عينيها بصعوبة كي تنام، تهرب من كل شيء إلى النوم.. حيث عالم الأحلام الرمادية التي تطارها، تراءى لها وجه والدها القاسي و هو يصرخ في وجهها حين تتأخر عن العودة من المدرسة بضع دقائق، وجه والدتها الذي أذبله المرض و عيناها الغارقتان دائما في بحر حزن لا قعر له، صوت جدتها التي كانت جبلا يحميهم من بطش والدهم، سنوات عمرها الأولى مضت كصيف قاحل.. لم يزهر ربيعها إلا حين دخلت الجامعة، كأنها ولدت من جديد.. انطلقت لتعيش الحياة بحب، و ما أن تسلمت وثيقة تخرجها حتى شرعت تغزل أحلامها مع صديقتها جوني، اتفقتا أن تطلقا أجنحتهما أخيرا و تحلقان، ستتحران من كل القيود و تسافران إلى آخر الكرة الأرضية، لن يوقفهما أحد، و في غفلة عن الجميع اخذتا ترتبان لكل شيء.. في يومهما الأخير بالسفارة حصلتا على الموافقة، لم تكونا بحاجة لحزم حقائب ثقيلة، ستحملان روحيهما و جوازي سفرهما و تطيران على أقرب طائرة، لم تخبر والدتها بسفرها إلا قبل موعد الطائرة بساعات، كانت تعرف تماما ردة فعلها، و لم تشأ أن تترك للضعف ثغرة كي يتسلل إلى قلبها و يوهن عزيمتها، بكت أمها طويلا.. شقيقاتها كن ينظرن إليها بغبطة، لم تودع والدها أبدا.. كان تريد أن تتحرر منه، عند قدمي جدتها أخذت تبكي، طلبت منها أن تسامحها.. وحدها الجدة كانت تفهمها، قالت لها: انطلقي و عيشي حياتك، ستحنين لنا يوما و ترجعين..

لم تكن واثقة أنها قادرة على فعل ذلك، كانت تسير في المطار و تلتفت خلفها، خيل إليها أن شبح والدها سيتبعها حيثما ذهبت.. و حين أقلعت الطائرة أخيرا، أغمضت عينيها و رأت المستقبل أمامها مبهجا كقوس المطر.. كانت شوارع مانيلا و أزقتها تصغر شيئا فشيئا، ثم ضاعت ملامحها أخيرا خلف حقل من الغيم الأبيض.. ودعت كل ماضيها و انطلقت لتبني لها حياة جديدة على أرض لا تعرف عنها سوى اسمها.. United Arab Emirates

 

 

 

 

 

يتبع..

سَرَابْ

19 يناير 2009

قد تكون مجرد ريح حملتك لتسقطك هنا، على أرض لم تتعمد أن تشق الطريق إليها… و الآن، حين توقفت الريح و انتفض الغبار من حولك، تجد نفسك محاطا بالكثيرين.. ممن حملتهم ريح مشابهة.. لتسقطهم في البقعة ذاتها، و لتجعل أقداركم متشابكة..

* * * 

هو مجرد سراب، كل ذلك الذي كنت تراه و تبنيه، افتح عينيك جيدا و التفت من حولك.. حين تقترب ستجده يتلاشى، ليرسم لك تفاصيل أخرى، تبدو من بعيد ضبابية و جميلة كالحلم، لا تحاول أن تمد يديك إليها، لأنها ستتلاشى مجددا، و ستغرق في الدوامة ذاتها..

 

* * * 

غبية جدا، و حمقاء أكثر مما يجب.. تلك القائمة الطويلة التي تضعك في خانة الأصدقاء، بضغط زر واحدة.. يمكنك أن تكون، أو لا تكون.. الأمر أصبح أكثر بساطة و سطحية مما نتصور، هل نستطيع ان نعيد تشكيل أنفسنا لنصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، بهشاشتنا هذه.. لن نتمكن من العيش طويلا.. أبحث عن وصفة سحرية تجعلني أقوى..

 

* * *

الأحزان الكبيرة، تبدأ من فرح صغير.. ينمو ببطء و دون أن نشعر، ليتغلغل فينا و يمنحنا الحياة من حيث لم نتوقع، و حين يذبل، يخلف فراغا كبيرا يتسع للكثير من الحزن.. ربما يجب أن لا نبحث عن الفرح منذ الآن.!

 

* * *

حين تثق في الحرف أكثر مما يجب، سيخذلك.. تعلم دائما أن تحذر منه، هو يجيد أداء دور الوفي دائما، لكنه أكثر قدرة على الهروب في لحظات اختناقك، ليسد كل الأبواب في وجهك.. و يمنحك موتا بطيئا من نوع آخر..

 

* * *

جرب أن تعيد تركيب تلك الأجزاء الصغيرة المبعثرة، ستكتشف أن هناك الكثير من القطع المفقودة.. لا تتعب نفسك بالبحث عنها.. هم سرقوها قبل أن يرحلوا، لأنهم توغلوا في داخلك أكثر مما يجب.. عرفوا كيف يتركونك مشوها و مثقوبا.. سينظرون إليك من بعيد و يضحكون.!

 

* * *

لا بأس أن تندم على حماقاتك، لكن لا تجعل هذا الندم يتسرب إليك و يشلك عن رفض اقترافها مجددا، كن أقوى و تخلص منهم.. إلى الأبد إن استطعت.. وجودهم لن يزيدك إلا ضعفا.. أنت بدونهم أقوى، ثق بهذا و ستكون بكل تأكيد..

 

* * *

لا تحاول أن تخدع نفسك بكل تلك الأسماء التي تحيط بك، و تدفن رأسك بينها كالنعام.. اعترف بالحقيقة و لو لنفسك فقط.. أنت وحيد و لا أحد معك..

 

* * *

لست بحاجة لأن تعيد البحث عنهم حين يتوارون عنك، لا تحاول أن تتشبث بالخيوط التي توصلك إليهم.. دعهم يضيعون في زحمة الحياة، و لتبدأ بالبحث عن طريق لا يقود إليهم.. حرر كل تلك الطيور التي اعتادت أن تربطك بهم، كل الطرق باتت آمنة، لا تسجن نفسك في الوهم.. ما عدت طفلا.!

 

* * *

أغمض عينيك، لا تحاول أن تعاقبهم على أخطائهم الصغيرة.. ما عاد الأمر يعنيك، التفت لنفسك و أصلح عطبها.. سيرمونك بالحجارة يوما، فالزم الصمت.!

 

* * *

ليست غلطة الأمواج إذا كانت حملتك للسواحل الخطأ، أنت من قرر أن يتمادى في الخطأ.. ليس من الحكمة أن تلومها الآن.. اركب قاربك و جدف، لم يفت الأوان بعد.. قد تصل للساحل الذي ينتظرك..

 

* * *

حين تراودك رغبة في البكاء، لا تقاومها.. انزو في ركن مظلم و ابكِ، لا تبك أمامهم أبدا.. البكاء أمام الناس ضعف، و البكاء أمام أنفسنا قوة..

 

* * *

لا تكره نفسك لأنك اليوم قادر على أن تثور، بل اشكر الصباح الذي منحك القوة لتفعل.. ستحتاجها يوما و ستفتقدها، في لحظات الثورة نمنح عقولنا زمام الأمور، لتركن القلب في زاوية بعيدة و تضخ الدماء بدلا منها، أنت الآن تشعر بالقوة رغم رغبتك في البكاء.. لا تبتئس، أكمل ثورتك و نظف كل مخلفاتهم التي تسبب الفوضى، لن تحتاجها بعد اليوم

 

* * *

حين يطول انحباس البراكين، تكون انفجاراتها أكثر دويا و تدميرا، ابتعد عن الفوهات.. كي لا تحرقك.!

 

* * *

حتى لو حققت أمنيتك و فقدت الذاكرة، ستبقى كل تلك الأشياء عالقة من حولك.. تذكرك بكل ما تتمنى أن تنساه.. وحدها الذكريات الجميلة سترحل إلى الأبد و ستخسر الكثير، الألم كالمرض المزمن، حين يدخل ذاكرتك فهو لا يرحل أبدا.. لا تحاول إذن..

 

* * *

ربما لو استطعت أن تعود إلى الوراء، و تسلك طريقا آخر، بعيدا عن الكتب و الأوراق و الحروف.. ستتمكن من أن تحيا بشكل طبيعي، لكن ما دمت تحيا فوق كومة الأوراق هذه.. ستبقى أسيرا لصمتك الذي لا يتحدث إلا على الورق..

 

* * *

كل الأقنعة التي جربتها، لم تتمكن أبدا من إخفاء وجهك الحقيقي، و لم تستطع أن تمنحك أي جمال، هي تزيدك قبحا لأنك تعرف أنها زائفة جدا.. انظر لنفسك في المرآة بصدق، دون أقنعة هذه المرة.. و حاول أن تكتشف ذاتك..

 

* * *

حتى لو بقيت جالسا هنا مئات السنين، لا تفعل شيئا سوى مضغ الحروف.. ستبقى ناقصا، لن يكملك هذا أبدا.. الحروف لا تسد الفراغات يا سيدي.!

 

* * *

لا تندم على القلوب التي خلفتك وراءها و رَحَلَت، اندم على تلك التي خلفتها وراءك و رَحَلْت.. في محطة ما، ستدرك كم كنت مخطئا و كم كانوا مصيبين، حينها لن تجد طريقا يعيدك أبدا..

 

* * *

أيها القارئ، ابق بعيدا عن هذا الكاتب.. حروفه شائكة، ستدمي قلبك و ستحفى قدمك، قد حذرتك..! إياك.!

 

* * *

حتى لو حاولت أن تنغمس في عالم الصغار، تدس جسدك الضخم على مقاعدهم الصغيرة، تقلد طقوسهم في مشاهدة رسوم الكرتون، تضحك على كل المواقف السخيفة، تعيد طرح السؤال مئة مرة، و تفسد المشاهدة على كل من حولك.. لن ترجع طفلا أبدا.. أنت كبرت، كبرت.!

 

* * *

في المرة القادمة التي تشعر فيها أن الحياة بخلت عليك بأصغر أمانيك، فكر في بشر آخرين.. لا يملكون حق نسج الأمنيات..

* * *

أَسْئِلَةٌ صَغِيرَة

14 يناير 2009

” الأسئلة الصغيرة تقتل الحب الكبير ”

كيف لم أدرك هذه الحقيقة إلا متأخرة جدا؟ و أنا التي كنت أقتات دائما على الأسئلة.. أثيرها من حيث أريد.. و أزرعها في طريقك كي تلتقطها كلما مررت عابرا إليّ..

الآن، بعد كل هذه السنوات الفارغة، أستيقظ صباحا و أنا ممتلئة بك، وجهك يعبق في أرجاء الكون.. و يوقظ فيّ كل تلك الأسئلة.. لماذا كنتَ و لم أكن؟ كيف تمكنت من مواصلة حياتك بينما توقفت أنا عند تلك النقطة، التي افترقنا فيها و رحلت.. متى استطعت أن تتخلص مني بينما لا زلت أحتفظ بك؟ وجهك كان يشي بالكثير، الكثير الذي عجزت عن فهمه، كنت تبتسم.. لا تتحدث أبدا.. و عيناك الـ كانتا دائما بحرا، أصبحتا بركة صغيرة، أكاد ألمس قاعها لفرط قربها من السطح..

ما الذي يحدث الآن؟ كيف تقلب فيّ كل هذه الأوراق حكايات الأمس المنسية، أو تلك التي تناسيتها عمدا.. و أحكمت الإغلاق عليها كي لا تتسلل أبخرتها و تخنق أيامي الباقية، أغص بك، و أختنق بطيفك.. و أنت البعيد مذ كنت قريبا، الصامت رغم كلماتك، الثائر رغم هدوئك.. أكانت كل تلك أقنعة، وحدي المخدوعة بها؟ أكانت زيفا صدقته لفرط سذاجتي؟ أحتاج الآن أن أراك.. كي أقنع نفسي أنك كنت حقيقة دائما، و ليس مجرد وهم صنعته بخيالي.. أحتاج أن أراك، كي أصدق أنك مخلوق عادي.. كغيرك من البشر.. لست أسطورة كما صوّرك لي قلبي.. أحتاج أن أراك، كي تتجلى الحقيقة أخيرا.. و تتبدد كل غيوم السراب التي أغرقت فيها عمري كله..

متى سينتهي كل هذا؟

هل سأستيقظ يوما ما و أتنفس بعمق، حين أدرك أني دفنت جثتك أخيرا، و جددت كل الهواء المحبوس في صدري..؟!

حِيْنَ يَثُورَ النَقْع

19 ديسمبر 2008

أعرفها حين تكون غاضبة، تقدح عيناها شررا لكنها تلزم الصمت.. إن اضطرت للكلام ستنفجر في وجه كل من هم حولها.. تزم شفتيها و تنظر بلا تركيز إلى شاشة جهازها، تتفقد بريدها للمرة العاشرة رغم أن صندوق الوارد لا يحفل بأية رسائل جديدة، تؤجل الرد على كل الرسائل التي تنتظرها.. تجوع كثيرا حين تكون غاضبة، لكنها تكره تناول أي شيء، تكدس السكر في كوب الهورليكس و تشربه بتلذذ، تتناول الشيكولاتة بشراهة كطفلة محرومة رغم أنها لا تحبها عادة.. تملك الجرأة لتتخلص من كل الأشياء التي رغبت دائما في التخلص منها، لا تشعر بأي وخز في ضميرها.. تكون كريح مرسلة تعصف بكل شيء في طريقها..

 هي تريد أن تكون وحدها.. تتمنى لو تفتح نافذتها و تصرخ في الفضاء، تحب لهذا الغضب أن يتسلل بهدوء لينتشر تحت كل خلية من خلايا جلدها، تفتعل المشاكل مع كل من يهمها أمرهم، و حين تثير النقع.. تقع باللوم عليهم و تخاصمهم أياما.. لا تعتذر لهم أبدا.. بل تنتظر أن يعودوا لتبكي على أذرعهم.. هم لا يعودون عادة، يقفون بعيدا يتأملون اتفجارها الصامت.. و احتراقها.. لا يكادون يفهمون سر هذا الوجه القبيح المختبئ خلف وداعتها و نظرتها الهادئة..

في عاصفتها الأخيرة، قلت لها: ” أنا لا أستطيع أن أفهمك.. ما الذي تريدنه الآن؟ ”

صرخت بغضب: ” أريد أن تكرهني.. حان الوقت لتفعل ”

هي تحاول أن تجد مبررا لحب الناس لها.. يغضبها أن يحبها الآخرون دون سبب.. و حين أخبرها عن روحها الجميلة، تهز كتفيها بلا مبالاة، وحدها تكره الوقوف أمام المرآة و النظر في عينيها، لا أدري لم تنتفض فجأة حين تقع عيناها على وجهها.. تتلمس ملامحها ثم تدير وجهها سريعا، لم تكره ذلك الوجه؟ لم تعجز عن رؤية الجمال المختبئ فيه؟

قالت لي ذات بكاء: ” كيف يمكن أن نحب بقلوبنا دون أن نرى وجوه من نحب؟ ”

يومها فقط عرفت من أي المنابع تنهل جداول غضبها..

مَحَطّةٌ أَخِيْرَة

17 سبتمبر 2008

رسالتها الأخيرة وصلته و هو على أعتاب سفر، تأبطها.. حمل حقيبته و يمم شطر السماء، ما أن اجتاز الزحام في مدخل المطار حتى أحس بآلام المخاض، كانت قصيدة ما على وشك الولادة، و كان يظن أن العقم أصاب قلبه.. أنهى إجراءاته سريعا و اتخذ مقعدا في مقهى ما.. قد لا يتذكر اسمه في وقت لاحق، طلب من النادل فنجان قهوة و قلما، نظر إليه النادل بعينان تفيضان دهشة.. كان على وشك أن يقول: “سيدي لا نقدم أقلاما هنا”، لكنه تراجع حين اكتشف أنه لن يحتاجه لأخذ المزيد من الطلبات.. فهو الزبون الوحيد في المكان.. ناوله قلمه و مضى..

وضع كل شيء في مكانه، الحقيبة إلى جوار المقعد، الرسالة و التذكرة على الطاولة، و أذاب قلبه في فنجان القهوة.. كان يحركه بالملعقة حتى تلاشى بخاره المتصاعد.. فكر بكل شيء.. الحقيبة، السفر، المطار، المسافرون، المودعون، الأيدي الملوحة، الوجوه المتجهمة، القلوب المتلهفة، الانتظار الواقف أمام الواجهات الزجاجية.. كل شيء قادر على ممارسة الانتظار في هذه اللحظة، لن تقلع الطائرة دونه.. و لن يعطي الكابتن إرشاداته قبل أن يستقر في مقعده.. لن تبتسم المضيفات للمسافرين إن لم يكن وجهه بينهم.. لن ترتحل الأوطان في مؤخرات الطائرات.. وحدها القصيدة لا تحتمل الانتظار..!

المقهى الذي اختاره كان يحمل لافتة ضخمة ” Second cup “، لِمَ لمْ يكن الفنجان الأول.. أو الثالث.. أو الأخير؟ لم هو الثاني بالذات، كان يريد أن يسأل النادل.. لكنه فكر، الثاني يحتفظ بطعم استثنائي دائما.. لا يحمل دهشة الأول، و لا رتابة الثالث، و لا وجع الأخير.. الثاني هو أجمل ما يمكن أن تجود به اللحظات، لا يمكن أن نقاوم طلب فنجان ثان أبدا.. أشار للنادل و طلب فنجانا ثانيا، كانت بعض بقايا القلب مترسبة في قاع الفنجان..

قلب التذكرة و بدأ ينزف قصيدته، كانت مكتلمة جدا حال الولادة، و كان منتشيا بها جدا.. حتى أن الغرور الذي أصابه أنساه أشهر الجدب التي مرت عليه، على ظهر التذكرة كانت تنام القصيدة مختالة، تمد لسانها لكل التفاصيل الأخرى.. المنسية لفرط وجودها، تذكر حقيبته التي ضاعت منه ذات سفر، هل لا زالت تسكن أروقة المطار مشردة تائهة؟ أم أنها وجدت تأشيرة دخول تمنحها الإذن لتلحق بأي طائرة شاءت؟ تلك الرحلة أخذت منه حقيبته.. عطره، دفتر أشعاره و كتابا رافقه في سفره.. نسي أنه في ذات الرحلة التقاها، كانت تتأهب لسفر هي الأخرى و كانت تحمل الكتاب ذاته، حين خرج من باب المطار.. كان مسافرا بلا حقيبة، و كان كتابها في يده..

-          Check please

ناوله النادل الفاتورة، وضع الأوراق النقدية و القلم.. حمل تذكرته و الحقيبة و مضى، الرسالة المغلفة في ظرف أنيق كانت تحاول أن تثير انتباهه، لكن القصيدة على ظهر التذكرة كانت تضحك، الحقيبة همست:

-          لا بد أن يقدمك قربانا هذه  المرة..

 

 

 

سَاعَاتٌ بَيْضَاء (1)

8 أغسطس 2008

ما أن ولجت الباب حتى خنقتها رائحة مثبت الشعر الذي يملأ المكان، كان يتكثف بين ذرات الهواء كغيمة ضباب كثيفة، يجعل التنفس أكثر صعوبة.. ضجة مجففات الشعر و أصوات الزبونات و مصفِفَات الشعر و المزينات تتداخل معا لتشكل هالة معتمة يصعب فك خيوطها، تنساب الأصوات و تتشابك لتمتزج الحروف و تشكل كلمات جديدة بأصوات مضحكة.. كأنها تصدر عن آلة تسجيل عتيقة، وقفت أمام السيدة الجالسة على طاولة الاستقبال.. وجهها المجعد يبدو جليا خلف قناع مساحيق التجميل الملونة،  شعرها الكثيف و لونه المصبوغ بطريقة لا تتناسب و عمرها المتقدم، لكنتها العربية المكسرة.. مدت يدها ببطاقة الحجز، نظرت إليها ثم نادت على إحدى العاملات..

- اذهبي معها، ستغسل شعرك و تقوم بعمل باديكير للأظافر، هو عرض مجاني نقدمه للعرائس فقط.. يمكنك أن تضعي فستانك في الخزانة المخصصة لذلك في غرفة العرائس..

كادت تفتح فمها لتقول أنها ليست بحاجة لذلك، فقد غسلت شعرها قبل أن تأتي للصالون مباشرة.. لكنها كانت واثقة أن صوتها سيتشابك مع تلك الهالة الغبية قبل أن يصل لآذانها.. تبعت العاملة إلى الزاوية المخصصة لغسيل الشعر، استسلمت لها بهدوء بينما كانت تراقب شقيقاتها و هن يغرقن وسط غيمة الضباب، لفت الفوطة حول رقبتها.. أسندت رأسها إلى الفجوة الصغيرة التي أحدثت في حوض الغسيل، هذا الشيء يرعبها دائما، تشعر به و هو يطوق رقبتها كأيد تمتد لتخنقها..! رائحة الشامبو مزعجة، رغم أن اليد التي تفرك شعرها كانت تفعل ذلك بعناية، إلا أن قرطها الذهبي وقع فجأة في حوض الغسيل و تشابك مع شعرها..

- أووه، أنا آسفة.. لم أنتبه.!!

قالت العاملة..

- لا بأس، هي غلطتي.. كان علي أن أخلعه..

تناولته بيدها و أحكمت قبضتها عليه.. زهرتها الذهبية الصغيرة.. انتهى كل ذلك، و خرجت بفوطة بيضاء تعلو رأسها، كيف يمكنها أن تخرج هكذا أمام عشرات النساء اللاتي لا تعرفهن أبدا..! جلسة البيديكير كانت أكثر مللا، أرادت أن تقول للعاملة الآسيوية أنها ليست بحاجة لأن تجلس بطريقة مذلة تحت قدميها لتصقل لها أظافرها.. لكن منظرها كان مألوفا جدا و هي ترى ثلاثة عاملات غيرها يجلسن الجلسة ذاتها تحت أقدام العرائس الأخريات.. أي سخافة هذه.!!

عادت إلى غرفة العرائس تنتظر دورها.. كان الوقت لا زال باكرا، بقيت ساعات طويلة قبل أن يحين موعد الحفل.. لذلك جلست دون أن تهتم أن دورها لن يحين قبل ساعة أو أكثر.. أخذت تتأمل الغرفة، كان أثاثها فخما مقارنة ببقية غرف الصالون.. على المقعد المقابل جلس عروس أخرى بأظافر مطلية و شعر مبلل، كانت تتأمل مجلة أزياء ضخمة، بينما جلست العروس الثالثة تثرثر مع والدتها بلكنة مصرية حادة.. كانت تتحدث بفرح عن الاحتفال الذي سيقام في أفخم الفنادق بالعاصمة.. لم أشأ أن أسترق السمع لحديثهما، لكنها كانت تتحدث بصخب و كأنها تريد أن يسمعها كل من بالغرفة.. أخبر زوجته أن مسافر، ستكون سعيدة جدا معه.. أوووه، إنه ذات السيناريو المتكرر..!

بعد لحظات دخلت الغرفة سيدة خمسينية، خلعت معطفها و وضعت حقيبتها الضخمة قرب المرآة الكبيرة المثبتة على الحائط.. نظرت إلى الجالسات، ثم تبعتها موظفة شابة، هيأت لها مقعدا دوارا لتجلس عليه، و نادت على صاحبة المجلة: هيا، ستبدئين إنتِ، تفضلي..

- يتبع -