‘أوراق ملطخة بالحبر‘

أَبُوظَبِي تَقْرَأ

8 مارس 2010

في ذاكرتي.. أول صورة لمعرض الكتاب بأبوظبي كان خيمة كبيرة تقع في الباحة الخلفية لمبنى المجمع الثقافي.. اليوم، حين شاهدت مبنى مركز المعارض و قد اكتمل.. شعرت بنشوة عظيمة.. عاصمتي تخطو خطى واسعة نحو غد أجمل،، أكثر ثقافة و أوسع رؤية.. لم يعد معرض الكتاب كما كان سابقا.. مجرد مكان لبيع الكتب،، بل أصبح مكانا يتم فيه تبادل الثقافات و الخبرات و المهارات، أصبح مكانا يتسع لكل مؤسسة تود أن تجد رابطا مع الجمهور العام، معرض الكتاب هذا العام.. نقلة ثقافية واسعة.. لم يقتصر على فئة واحدة من المجتمع،،، بل شمل الجميع.. صغيرهم و كبيرهم، ذكرهم و أنثاهم، شابهم و عجوزهم!!

بدأت جولتي كالمعتاد في الجناح المخصص للمؤسسات الحكومية،، كعادتها هيئة أبوظبي للثقافة و التراث تخرج كل عام بمشاريع مبهرة.. تجعلني أشعر بفخر و بسمة واسعة ترتسم على شفتي.. بدءا من مبادراتهم الأولية في الاهتمام بالأدب العالمي و إصدار عدد كبير من الكتب المسموعة التي لم تجد حتى الآن جهة تتبناها كما يليق بها، ثم خرجت لنا بمشروعها المتميز (قلم) و الذي يهدف لتبني المواهب الشابة و تنميتها و نشرها و الترويج لها خليجيا و عالميا، هذا المشروع الذي أخرج لنا عددا جيدا جدا من الأقلام المتميزة التي نفخر حقا بوجودها و الذي يزداد عاما بعد عام، مبادرة (كلمة) تهدف لترجمة و نشر و توزيع أهم الأعمال الكلاسيكية العالمية، (مسابقة الإمارات للتصوير الفوتوغرافي) أحدث حراكا متميزا في مجتمع المصورين و شجع الكثير من المبتدئين للمشاركة، كما أن (مهرجان أفلام من الإمارات) يعد واحدا من أهم مهرجانات الأفلام في المنطقة، ( رابطة التصوير الفوتوغرافي) التي تأسست عام ٢٠٠٨ تهدف لإيجاد بيئة مناسبة لتنمية مواهب و مهارات المصورين عن طريق تنظيم الدورات و الورش و المسابقات و المعارض.. مما يتيح للمنتسبين للرابطة الاحتكاك بالمحترفين و الاستفادة من خبراتهم، (شاعر المليون) (أكاديمية الشعر) (مئوية زايد الأول) (جائزة الشيخ زايد للكتاب) …

لا زلت أتحدث عن إنجازات هيئة أبوظبي للثقافة و التراث و لم أصل بعد للنقطة التي أود الحديث عنها!! مشروعهم المتميز لهذا العام يهدف لنقل الكتب من الأرفف الجامدة في المكتبات العامة، ليصبح في متناول كل فرد من أفراد المجتمع.. لست بحاجة لزيارة المكتبة العامة بعد الآن… لأن المكتبة ستصل لباب بيتك عن طريق حافلة متنقلة تحوي مكتبة عامة تضم كتبا تناسب جميع الفئات و الأعمار تجوب المناطق السكنية في أبوظبي و ضواحيها، يتم تداول الكتب عن طريق استعارتها اعتمادا على بطاقات عضوية تعبأ كلما دعت الحاجة لذلك.. و إن لم تجد كتابك المفضل، بإمكانك إخطار موظف المكتبة ليوفر لك الكتاب في زيارته القادمة.. توفر الحافلة ركنا مناسبا للقراءة على مقاعد مريحة لتتمتع بهذه التجربة الفريدة.

هذا ليس سوى جزء من مشروع أكبر أطلق عليه اسم (مكتبة أبوظبي المستقبلية).. يرمي لإنشاء مكتبة عامة في المراكز التجارية بأبوظبي و مدنها الأخرى.. تحتوي المكتبة على أقسام للكتب المقروءة و المسموعة و المرئية، إضافة لركن خاص بالأطفال يحوي كتبا و أنشطة و ألعابا مختلفة، ستتوفر أجهزة حاسب آلي متطورة في كل مكتبة مما يسهل عملية البحث و القراءة، و يمكن استعارة الكتب اعتمادا على أجهزة إلكترونية متطورة جدا، لست بحاجة للوقوف في طوابير طويلة بانتظار أن يتفرغ لك عامل المكتبة، فهناك أجهزة تقوم بالمهمة عن طريق مسح جميع الكتب دفعة واحدة و إخراج تذكرة لتخبرك بمواعيد استرجاع الكتب.. إنها الخدمة الذاتية بين أيديكم!! حسنا، لا تنسى أن تحمل بطاقتك الخاصة دائما.. ستحتاجها في زيارتك للمستشفى أو الحديقة أو المطار.. أو أي مرفق عام تجد فيه متسعا من الوقت للقراءة.. هناك أجهزة منتشرة في مختلف المرافق لإعارة الكتب و الإسطوانات المدمجة.. للوهلة الأولى قد تظنها مجرد أجهزة جديدة لبيع المشروبات الغازية أو الوجبات الخفيفة.. لكنها في الحقيقة تقنية جديدة من هيئة الثقافة و التراث.. تتيح لك استعارة الكتاب لتقرأه في وقت انتظارك.. هل تحمل هم إعادة الكتب؟ لا تقلق.. فهناك صناديق موزعة بالقرب من أجهزة الإعارة.. ما عليك سوى وضع الكتاب في المكان المخصص و يقوم الصندوق باستعادته فورا.. شرط وجود الملصق الخاص بكتب الهيئة..

قد يقول قائل.. ليس الجميع متحمس للقراءة مثلك، و هو صادق تماما.. لكني أرى أن استخدام التقنيات الحديثة لجعل القراءة شيئا أكثر جاذبية قد يثير فضول البعض - ممن لا يحبون القراءة - و قد يحبون تجربة مثل هذه التقنيات الجديدة،، من باب التجربة ليس أكثر!! ثم كتشفون فجأة أنالقراءة ليست مملة كما كانوا يظنون دائما.. و أنهم بإمكانهم أن يستغلوا دقائقهم المتناثرة هنا و هناك في أروقة الانتظار في عمل ما هو أكثر فائدة من مراقبة الآخرين و الثرثرة في أمور لا فائدة منها!! كما أني لو رأيت حافلة متوقفة قرب شارعنا،، تحمل شعارات و رسومات جديدة،، سأجدها تجربة مثيرة كي أصطحب الأطفال لهذا الشيء العجيب.. أيا كان!! و قد يقضي الأطفال وقتا ممتعا هناك،، و يترقبوا بشغف الزيارة القادمة.. أليس هذا ما نطمح له في النهاية؟ أن ننشئ جيلا شغوفا بالقراءة؟

أنا متفائلة، ماذاعنكم؟ هل أنتم متفائلون مثلي؟ كان عليكم أن تزوروا المعرض لتروا الأجهزة بأنفسكم و تركبوا الحافلة المتوقفة في طرف المعرض كي تصدقوا أننا في أبوظبي.. صفقوا أرجوكم.. فأبوظبي تقرأ الآن كما لم تكن سابقا : )

هل لا زال في هذه التدوينة متسعة لأحكي عن بقية تفاصيل الزيارة؟ صدقوني حماسي لهذه المشاريع أنساني الكتب التي ذهبت لشرائها، و كما قلت لكم في تدوينتي االسابقة.. لم أكن أطمح لشراء الكثير،، مجرد زيارة المعرض تمنحني شعورا جميلا.. تجعلني أتنفس الحبر و الورق و أشعر بجمال الحياة بين أغلفة الكتب.. سأكون صادقة إن قلت لكم أني جمعت من المنشورا و البروشورات ما هو أكثر مما اشتريته من الكتب.. تحمست جدا لزيارة المسرح الوطني للانضمام إلى رابطة مصوري الإمارات،، في زواية مخصصة له كان الخطاط محمد مندي متفرغا للكتابة لمن شاء بخط عربي جميل.. أقرب ما يكون للوحة فنية، حدثني عن الخط الديواني، تاريخه و استخدامه.. يعمل الآن في مشروع تابع لهيئة الثقافة و التراث على تطوير الخط الديواني، كتب لي لوحة جميلة باسم (نورة)…

ابتسامتي كانت عريضة أمام الجناح الخاص بمؤسسة two four 54 .. هذه المؤسسة التي اتخذت من أبوظبي مقرا لها، و اشتقت اسمها من الإحداثيات الجغرافية لمدينة أبوظبي… و التي تسعى إلى تطوير محتوى إعلامي و ترفيهي عربي بمستوى عالمي.. اعتمادا على المواهب و القدرات الشابة في كل أرجاء الوطن العربي.. في مختلف قطاعات الإبداع من صناعة الأفلام، والبث والإرسال، والتكنولوجيا الرقمية، والألعاب الإلكترونية، والنشر، والموسيقى…

جناح هيئة البيئة كان مميزا جدا، فقد أنشئ لينقلك إلى تجربة فريدة مع الحياة الفطرية و البرية في دول الإمارات.. الأرض الزجاجية اللامعة و قنوات الماء الصغيرة التي تعبر فوقها عبر جسور خشبية، كل هذا و أنت تتأمل الصور المعروضة لمظاهر الحياة الفطرية و البرية.. شيء رائع.. سيشعر معه كل مهتم بالتصوير بغبطة عظيمة!!

لشاعر المليون و أكاديمية الشعر مكان بكل تأكيد، الدكتور غسان الحسن و الشاعر سلطان العميمي كانا متواجدين، و يبدوان مرهقان جدا من كثرة الكتب التي وقعوها لطالبات المدارس المعجبات،، اللواتي أصررن بكل تأكيد على التقاط صور خاصة مع الشاعرين.. يا لحياة المراهقات : )

يبدو أن التدوينة لن تنتهي إن شرعت بالحديث عن كل جناح زرته بمفرده!! فلننتقل لقسم دور النشر.. الأدبية هي المفضلة بكل تأكيد.. لم تكن أكثر الدور التي تحمست لها مشاركة!! المدى.. رياض الريس.. و الجمل.. كانت هناك دور أخرى تبيع كتبهم.. لكن الأمر لا يشبه أبدا تواجد الدار الأم.. ربما لإقامة معرض الرياض في التوقيت ذاته سبب في غياب هذه الدور،، لكني حزنت جدا،، و كلما سألت عن اسم كتاب.. رفع البائع ناظريه للسماء ثم قال دون تفكير.. الكتاب غير موجود، دون أن يكلف نفسه عناء البحث..!!

ماذا أيضا؟ كان هناك منتدى للحوار تابع لليونسكو.. تمنيت دخوله لكن الأبواب كانت مغلقة لأن الحوار كان قد بدأ و التصوير قائم.. ركن التوقيع كان خاليا كما توقعت،، في اليوم الأخير و صباحا،، من النادر أن يتواجد أي كاتب.. تمنيت لو التقيت بعبده خال، هذا الرائع الذي حاز البوكر بجدارة.. صحيح،، نسيت أن أخبركم بهذا.. كنت عند جناح مكتبة الجامعة أسألهم عن كتاب تحت أقدام الأمهات لبثينة العيسى حين لمحت ثلاث نسخ من كتاب ترمي بشرر على الطاولة.. اختطفت نسخة واحدة من باب الاحتياط فقط، أحب الاحتفاظ بنسخ إضافية من الكتب التي أحبها كي أهديها لمن أراه مؤهلا لقراءتها،، كانت تجلس إلى جانب البائع سيدة إماراتية تبدو كبيرة في السن، ترتدي برقعا إماراتيا و شيلة على طراز كبيرات السن هنا.. حتى طريقة حديثها كان أقرب لأسلوب الجدات،، كان واضحا من شكلها أنها ذات إطلاع كبير على الكتب، حين لمحتني أشتري الكتاب قالت لي: يما لا تخلين حد من البنات يقرونه، إقريه بروحج بس.. قلت لها ضاحكة: لا أنا قارية الكتاب من أول ما نزل.. و أكيد ما بخليه يطيح في إيد حد.. تضجر البائع: هذا العبده أصابنا بمصائب، هذي مو ترمي بشرر.. هذي ترمي ب….. و تردد قبل أن يكمل جملته، قلت له: إياك.. فاز الآن و بجدارة!!

حسنا.. الكتب التي اشتريتها، لم تكن كثيرة،، و البعض منها مكرر.. و أظن أني أشتريها للسنة الثالثة على التوالي!! كما قلت نسخا احتياطية : )

ضوء يذهب للنوم - ابتسام المعلا

ترمي بشرر - عبده خال

ولدت هنا ولدت هناك - مريد البرغوثي

منينة - مريم ناصر ( من إصدارات قلم ٢٠٠٩ )

تجربة مقاهي ستاربكس: ٥ مبادئ لتحويل العادي إلى استثنائي - جوزف أ. ميشالي

الكتاب الأخير أثار انتباهي،، ربما أحتاج أن أقرأ في هذا المجال أكثر كي أستفيد منه في مشروعي الخاص - مستقبليا.. أليس من الجميل أن يكون الإنسان متفائلا و طموحا؟ D :

كونوا بخير دائما..

سَلاّم

8 يناير 2009

 

حين بدأت القراءة، ظننت أني سأتململ سريعا.. و كأني أقرأ حكاية من تلك الحكايات العالمية التي قرأتها طويلا في طفولتي، غير أن الكاتب ألبسها ثيابا عربية و اختار أسماء أقرب إلى حكايات ألف ليلة و ليلة.. كنت أظن أن الخيال و الأسطورة لا مكان لهما في الروايات العربية الحديثة، لكن نقشبندي استطاع أن يثبت لي العكس..

يتحدث عن أمير سعودي اعتاد السفر سياحة إلى أسبانيا و منها اتجه إلى غرناطة التي يزورها للمرة الأولى ليقع أسيرا في حب قصر الحمراء.. بكل التفاصيل الغامضة التي تُحاك حوله، و حين يقرر بناء قصر مماثل له في الرياض.. يصبح هو جزءا من ذلك الغموض.. و يدخل في متاهات تتداخل فيها الحقائق بالأكاذيب، و الواقع بالخيال.. يتحدث الكاتب بسخاء عن تفاصيل غرناطة و قصرها الواقف فوق تلته منذ قرون.. و كعادة العرب في البكاء على الأطلال، يقلب لواعج حسرته على ملك العرب الذي زال، يلوك الندم كثيرا على هذه الجنة التي ضيعها المسلمون..

حين يقلب في صفحات الماضي، تتكشف له الكثير من الحقائق التي تدخله عالما كان عنه بعيدا.. و يمنحه التاريخ مفتاحا لدخول بوابات عتيقة، يرى من خلالها النور، و يلج إلى دواخل نفسه.. ليعرفها أكثر و يكون أكثر قربا منها، حيث مشاعر الخوف التي تتملك أي إنسان حتى لو كان أميرا يملك مال الدنيا، سلام هو صوت الماضي الذي يعيد رواية التاريخ له بصورة مختلفة عن كل الروايات الزائفة التي تناقلتها كتب التاريخ و زخرفتها حتى غدت الأندلس أسطورة حقيقية..

ما الذي أضافته لي الرواية؟

لعلها زادت شغفي لزيارة قصر الحمراء و اشتمام عبق التاريخ بين جنباته.. لكنها أيضا منحتني أملا في الرواية العربية، القادرة على عبور الحد الفاصل بين الواقع و الخيال و النهوض برماد التاريخ لإعادة صياغته، و اجتياز الأفكار التقليدية المستهلكة إلى أبعاد أكثر جمالا و إبداعا..

كَمْ بَدَت السَّمَاءُ قَرِيْبَة

31 ديسمبر 2008

 

مأساة أخرى، نقرؤها.. نسمع عنها، دون أن نلمسها بأصابعنا.. لندرك حقيقتها، دون أن نكون ضحية العيش في جحيمها.. أفكر دائما بالعراق، كمصدر للإبداع و الإلهام.. أهو شيء يسري في دمائهم؟ أم أنها مآسيهم التي لا تنتهي.. تكون أنهارا منسكبة دائما، لتروي نبع إبداعهم الذي لا ينضب..

تحكي بتول عن حياة فتاة عراقية، عاشت طفولة غضة في ظلال البساتين و قرب جداول الأنهار.. كانت السماء تبدو قريبة منها، لكنها في كل يوم تكبر.. تبتعد عنها أكثر، و تدرك أن للحياة وجها أشد قسوة.. يختبئ خلف قناع زائف.. تتكشف لها تفاصيل المرارة و المعاناة التي يعيشها شعب بأكمله جراء حرب طاحنة تنشب بين الحدود، لتتسلل شيئا فشيئا حتى تحرق الكيان بأكمله.. تهدي البشر الذين يحيون فوق أرضها ساعات من جحيم تتمدد كل يوم لتطول المعاناة أكثر..

ملامح الحياة في الشارع العراقي، و أنباء الأحداث على الجبهات، تتداخل لتصنع أيامهم و سنينهم، و حين تسنح لها الفرصة و تسافر بأمها المريضة إلى مدينة الضباب، ترقب الأوضاع من بعيد.. من فوق برج ضبابي يوشك أن ينهار في أية لحظة.. تصلها الأخبار مشوهة و متقطعة.. و كل أولئك الأحبة الذين تركتهم على أرض النخيل يوم رحلت، لا يبقى منهم إلا أسماء لا تكاد تعرف عما حل بهم.. لا تكتفي الحرب بقتل الأبرياء، بل تمنح ما تبقى من الأحياء آلاما يومية تصبح أنفاسا تقاسمهم أرواحهم..

حين أنهيت الكتاب أحسست أني حزينة، كان أبي يتابع نشرة الأخبار.. لقطات تبث من العراق ألفناها لكثرة ما شاهدناها.. حتى ما عادت تحرك فينا شيئا، مؤلم هذا الذي يحدث هناك، منذ عقود.. و هم يتخبطون من محنة إلى أخرى، لا يكادون يتنفسون الهواء حتى تمتد يد لتخطف منهم ما تبقى من ذراته، تضن عليهم بإغماضة عين هادئة و نوم قرير في مساء ساكن، و كأنهم شعب خلق ليكبر على صوت القنابل و مشاهد الدماء.. جيلا بعد جيل..

 

 

 

 

الحُب فِي زَمَن الكُولِيرَا

7 أكتوبر 2008

ضحكت.. في الوقت الذي كان يفترض بي أن أبكي، لا أدري لم ظننت أن ماركيز سيكون ساديا كما هو عبده خال.. و سيجعلني أغلق الكتاب بحسرة في قلبي و ألم في روحي..  نسيت أننا وحدنا العرب من يستلذ بالألم.! منذ بدأت قراءته، حين كانت رائحة اللوز المر تحاصرني.. و خلال كل الصفحات التي كنت أفكر فيها بسنوات العاشق الخاوية التي قضاها بالانتظار، كان ألم النهاية هو ما يفزعني..

أعرف أن ما كتبه ماركيز ليس سوى ضرب من الجنون، قد يظنه العشاق في غمرة حبهم واقعا يمكن التعايش معه و الانتصار عليه.. سيظنون أن النهايات جميعا تشبه نهاية فلورينتينو أريثا.. لكن الحياة ستذكرهم في غمرة أحلامهم أن الانتظار ليس إلا موت آخر.. أقل بطئا و أشد ألما.. و أن كل تلك السنوات التي يبعثرونها في سماء الانتظار، كان الأجدى بهم أن يمنحوها لأجل ما يستحق..

هل هناك ما يستحق أكثر من الحب؟

كيف يمكن لحب لم يتجاوز رائحة الحبر و ملمس الورق و عطر الياسمين، أن يقف شامخا أمام نصف قرن من الزمن، دون أن يتراجع لحظة أو يندم على وهم حاكه لنفسه و عاش كل تفاصيله؟ كيف يمكن للآخر، أن يعيش حياته بكل سنواتها و أيامها و ساعاتها.. سعيدا، مسافرا، متخاصما، و حرا.. دون ان يخطر على باله ذلك البائس المنتظر؟

الحب أسطورة يصنعها المحبون، و هم وحدهم من يصدقها.. لأن زيفها يبدو جليا في الساعة التي ينقضي فيها الانتظار.. و يصبح ذلك الحلم بعيد المنال في متناول القلب.. في تلك اللحظة فقط يدركون كم عدد السنوات التي أنفقوها و هم ينتظرون، و يدركون كم ترهلت أيامهم دون أن يشعروا بذلك.. و رغم كل الاحتياطات التي اتخذوها ليبقوا على قيد الحياة.. يطل الموت برأسه بين فينة و أخرى، ليذكرهم أن ساعتهم قد اقتربت، و أن كل ذلك الانتظار لم يكن يقربهم إلا للموت بغتة..

حتى لو أمضوا أيامهم الأخيرة في قمرة منسية فوق عابرة نهر، ذهابا و إيابا، مدى الحياة.. ستسخر منهم الحياة، لأنها تدرك جيدا أن ذلك المدى قصير جدا.. قصير إلى الدرجة التي قد ينتهي في اللحظة التي تلي كتابة هذا السطر..

كِبْرِيَاء وَ هَوَى

28 مايو 2008

كم مرة علي أن أشاهد الفيلم، ثم أقرأ الكتاب، ثم أشاهد الفيلم، ثم أعيد قراءة الكتاب.. كي أقتنع أني أحب هذه القصة جدا.. أحبها مقروءة، و مرئية و مسموعة.!

لا تلتفتوا أرجوكم للغلاف، فهو دون المستوى.. ككثير من الكتب العربية أو المترجمة، و التي لا أدري أين تغيب عنها ذائقة دار النشر لتضع أغلفة رديئة كهذه.! حسنا.. يكفي أن الغلاف يحمل اسم جين أوستن كي يشجعني على اقتنائه، كما أني لا زلت غير مقتنعة بالترجمة العربية لعنوان الرواية ” Pride & Prejudice “.. و أظن أن الترجمة الأصح هو “كبرياء و تحامل”، و التحامل هو الحكم المسبق على الشخص ظاهريا دون التعمق لمعرفة النوايا الداخلية.. و هذا هو المحور الرئيس الذي تدور حوله الرواية.. فكيف تصر دور النشر العربية على اختراع عنوان جديد غير ما اختارته الكاتبة؟

تدور أحداث الرواية في الريف الإنجليزي - الذي عاشت فيه الكاتبة حياتها -، و تحكي عن الواقع الذي تعيشه عائلات الطبقة الوسطى…  والنظرة المتعالية التي ينظر بها إليهم أفراد الطبقة الارستقراطية، يخيل إلي أن جين أوستن كانت تعيد سرد حكايتها الشخصية، فشخصية (إليزابيث) بطلة القصة فيها الكثير من صفات جين نفسها.. و الحب الذي ربطها بـ (دارسي) يشبه العلاقة المميزة التي ربطتها بشخص ما لم تستطع الزواج منه لظروف فرضتها متطلبات الحياة في ذلك الوقت.. لولا أنها أعادت صياغة بعض أحداثها و اختارت لها نهاية سعيدة.. ككل قصصها.. ربما هي بذلك تحاول أن تمنح بطلاتها السعادة التي لم تستطع أن تحققها هي في حياتها.. و بقيت وحيدة دائما لا يؤنس وحدتها سوى الكتابة..

(إليزابيث) الابنة الثانية لعائلة (بنيت) تملك شخصية مرحة، ذكية، و متمردة.. تتمرد على الواقع الذي تعيشه و الذي يفرض عليها القبول بأول شخص يتقدم لخطبتها كي يوفر لها مستقبلا يقيها الفقر الذي عانت منه عائلتها دائما، هي تطلق أفكارها لما هو أبعد من ذلك.. تبحث عن الحب، عن الحياة، عن السعادة الحقيقية.. تقودها أقدارها لتدخل في دهاليز علاقات متشابكة مع أفراد من الطبقة الارستقراطية.. لتكتشف زيف هذه الحياة الباذخة المترفة، و رغم ذكائها.. إلا أن تسرعها للحكم على ظاهر الأمور و تصديق من تثق بهم، يجعلها تبني تصورا جائرا لشخصية (دارسي) الذي تشعر نحوه بالانجذاب رغم كل شيء..

قد تكون الحقيقة مؤلمة.. لكنها حين تظهر، تجعلنا ندرك كم كنا  مخطئين بحقهم، و كيف أن تلك السنوات كانت خادعة جدا و نحن نرسم لهم صورة مختلفة تماما عن حقيقة ما يكونون.. ندرك أننا كنا متشابهين جدا، إلى الدرجة التي لم ندرك فيها هذا التشابه.. في الوقت نفسه قد تتكشف لنا حقائق أخرى، أحسنا الظن فيها كثيرا.. و التمسنا الأعذار لها دائما.. لندرك كم كنا مخدوعين و نحن نمارس دور السذج البسطاء طيبو القلب

للْحُزْنِ خَمْسَةُ أَصَابِع

25 مايو 2008

لم تكن القراءة له تكفيني، تماما كما لم تكفيني القراءة عنه.. لا بد أن أكتب عنه كي أكمل فرحتي بحرفه، محمد حسن أحمد يشبه رجال وطني الباحثين عن ما هو مختلف، المنقبين بين أكوام الكلمات عما يخلقهم.. و يمنح العالم بهجة ميلادهم، محمد يكتب عن الموت.. عن الوطن.. عن الحب.. عن السعادة.. عن النجاح.. عن الحزن.. عن الغربة.. عن الظلم الذي ينهش لحم الفقراء، و يبدد عرقهم في رطوبة الهواء المالح رغما عن الشمس “التي لا تعرق”..

” صمتكِ يوقظ الليل، دعيه ينام” .. و لأنه أراد لليل أن ينام كتب محمد عن حزنه ذي الخمسة أصابع، ذلك الحزن الذي نبت فجأة من الأرض التي دفن فيها جسد مراد.. مراد الذي رفض الوطن أن يمنحه اعترافا بأبوته فعاش غريبا كما الليل، يتنفس ملح حزنه المنسكب مع كل زفرة.. مراد الذي عرف الحب في أرض وعرة، و قطف زهرته ليسكن سعادة كانت تفر منه.. مراد الذي أوقف لحظات الزمن بعدسة كاميرته، لونها بالأبيض و الأسود كما لون أيامه.. كانت نورة هي فرشاة ألوانه التي جعلت لحياته معنى.. و حين جاء الموت ليقطفه، آثر أن يأخذهم معا، كي لا يحزن أحدهم أو يتألم لفقدان الآخر..

قراءته لم تكن سهلة أبدا، فهو شاعر يجيد نقش الحزن فوق ناصية الحرف، و هو مصور يعرف كيف يمنح الضوء سلطة في المكان، و هو سينمائي يجيد هندسة الأماكن كي تليق بأفكار الكلمات، كنت أضع خطوطا كثيرة تحت الجمل، و أعيد القراءة أكثر من مرة.. كي أفهم أحيانا.. و كي أغرق أحيانا أخرى في أعماق المعنى.. لكني حين انتهيت، أدركت أن الوطن يترك غصة في حلق أبنائه، حين يتذكرهم بعد موتهم… و هم الذين تعثروا طيلة ساعات عمرهم بقوانينه و أوراقه الرسمية التي يطالبهم بخلقها من العدم..! 

اقرؤوا لمحمد حسن أحمد، فهو الذي كتب عن وطن مجفف في طوابع البريد..

إِنِيْس حَبِيبَةُ رُوْحِي

21 مايو 2008

حين كنت أقف أمام اسم إيزابيل الليندي في الجناح المخصص لدار المدى، كنت في حيرة من أمري.. كان اسم رواية (ابنة الحظ) مدونا في الورقة التي حصرت بها ما أريد شراءه، لكن شيئا ما في داخلي جعلني أتناول كتابها الآخر (إنيس حبيبة روحي)، و لأني أقول دائما أن لنا مع الكتب التي نقرؤها قدرا خاصا.. لم أشأ أن أغير قدري مع هذا الكتاب.. و لم أندم على ذلك أبدا..

لا أدري كيف استطاعت إيزابيل الليندي - الكاتبة التشيلية المعاصرة - أن تأخذني عبر كتابها إلى القرن السادس عشر، حتى خيل إليّ أنها عاشت هناك.. وصفها الدقيق لكل التفاصيل الصغيرة، أساليب الحياة، تضاريس الأماكن و الأحداث الدامية التي عاشتها أمريكا اللاتينية في تلك الحقبة الزمنية، يجعلك تنظر إليها بإعجاب شديد، فهي إما واسعة الإطلاع على خبايا التاريخ، أو أنها امرأة ذات خيال خصب.. استطاعت أن تسافر بخيالها إلى ذلك الزمن لترسمه بحروفها بواقعية قد تدهشك.!

في كتابها هذا، تحاول إيزابيل إبراز دور المرأة في الفتوحات الجغرافية للعالم الجديد، ذلك الدور الذي تم تجاهله لقرون.. رغم أن هذه الحضارات لم تكن لتنهض لولا وجود المرأة إلى جانب الرجل.. تحبه، تدعمه، تؤازره، تطبخ له طعامه، تخيط ثيابه، تداوي جراحه، تبني بيته، تؤسس مدنا تفخر به، و تحارب معه إن استلزم الأمر..

إنيس، المرأة الإسبانية البسيطة التي كانت تعمل خياطة في بلادها، دفعها حب الفضول و الرغبة في المغامرة للتمرد على العادات السائدة آنذاك، و سافرت بحجة البحث عن زوجها إلى المجهول.. إلى الأسطورة التي يتحدث عنها الجميع، أرض الذهب و الكنوز، ألقت بها أقدارها في البيرو.. و لم تكن تعلم أن هذه المدينة ستغير مصيرها.. و تجعل منها مؤسسة تشيلي و حبيبة روح بيدرو دي بالديبيا.. ذلك القائد الشجاع الذي تقاطع مصيره معها في ليلة حالمة، و منذ النظرة الأولى أدرك كلاهما أن الآخر هو نصف روحه.. و هو حبه الحقيقي الذي لن يتكرر أبدا، و منذ ذلك الوقت.. و حتى موتهما بقي حبهما صامدا في وجه كل الصعوبات التي واجهتهما، سافرت معه إلى آخر العالم، كي يؤسسا حلمهما سويا.. اجتازا صحار قاحلة، جبالا وعرة، مستنقعات رطبة، و غابات كثيفة، كان الحب يظللهما و هما يرتجفان عطشا، و يحاربان بشرا متوحشين، و يضعان اللبنات الأولى لبناء مدينتهما الحلم.. سنتياغو..

إنيس تروي الحقيقة كاملة، بكل جمالها و بشاعتها، فتلك البطولات الخارقة التي رددها التاريخ لقرون، لم تكن مجرد أعمال بطولية سامية.. بل كانت ملوثة بدماء لزجة، جثث متعفنة، و أعمال وحشية لا حصر لها.. و هي إذ تحكي ذلك.. توقظ الإنسان بداخلها و يقف قلبها بصدق مع ما يفعله الوطنيون في تلك الأراضي، فهم يستميتون دفاعا عن أرضهم التي جاء غرباء ليسلبوها منهم دون أدنى حق، ينهبوا ثرواتها و يستعبدونهم فيها..!

” إن خبرة الليندي الطويلة ومرانها في عوالم الكتابة أمور دفعتها للبحث عن آفاق وعوالم جديدة لترصدها وتحكي عنها ربما لهذه الأسباب جاءت هذه التجربة التي تشكل توليفة من التاريخ والخيال والواقع في سرد ملحمي حرصت الكاتبة أن يكون ممتعا كسائر رواياتها مستندة في ذلك على براعتها  في التشويق ” (الكاتب/ لنا عبد الرحمن)  

ضَوْءٌ يَذْهّبُ للنَّوْم

19 مايو 2008

اختطفت الكتاب من جناح المجمع الثقافي بمعرض الكتاب، كان قراءة اسمها على الغلاف كافيا ليجعلني أبتسم، لم يغب عن ذهني لحظة واحدة.. مقالها الذي قرأته في جريدة الاتحاد و رددت عبارتها كثيرا ” الحياة قصيرة، و الكتب كثيرة”.. الكتاب الصغير، بصفحاته التي تتجاوز المئة بقليل صادر عن هيئة أبوظبي للثقافة  والتراث، ضمن مشروع (قلم) الذي يهدف لفتح نافذة للأدب المحلي كي يخرج للعالم، و يمسك بيد جيل الكتاب الصغار لينهضوا بثبات و قوة.. اشتريت كتابين آخرين لاسمين شابين.. لكن قدري مع هذا الكتاب كان يتربص بي..!

بدأت بقراءته لأقطع رتابة الـ 20 دقيقة التي سأنتظر فيها الباص، و كانت الدهشة هناك.. تنتظرني عند أول صفحة في مجموعتها القصصية.. وقفت مذهولة أمام قدرتها الرائعة على شد انتباهي و إثارة إعجابي بالتراكيب التي تصوغها، و اللغة الرشيقة التي تستخدمها.!! منذ أول قصة، قلت في نفسي: ” يا إلهي، سأقع في حب هذه الكاتبة “، و حين فرغت منها كتبت على ظهر الورقة الأخيرة:

” لا أدري ما الذي انتابني، ذلك النوع من المشاعر، ذلك الإحساس الذي يأسرني و أنا أقرأ ، أنتشي بالكلمات و أصفق للجمل.. هذه كاتبة ستأسرني طويلا.. حرفها من النوع الذي أحب، و الذي ينتفض قلبي لقراءته، سأحبك يا ابتسام.. سأحبك كثيرا.. أعدك بذلك ”

لعل ابتسام في كتابها هذا تراوغ، فمنذ الوهلة الأولى تظن أنك تقرأ مجموعة قصصية تضم بين غلافها قصصا قصيرة متفرقة لا تمت لبعضها بصلة، لكنك تكتشف في وقت لاحق أنه ليس سوى سلسلة من الحلقات، في كل مرة.. تمنحك حلقة واحدة تسلط عليها الضوء لتتأملها جيدا.. تقلبها بين يديك، و لفرط انشغالك بتفاصيلها الصغيرة، تنسى كل الشخوص الأخرى في القصة.. تنسى أنهم وجه آخر لحقيقة لا يمكن اكتشافها إلا عن قرب.. لذلك هي تختطف منك الحلقة الأولى فجأة، و تناولك أخرى، كي تغوض مرة أخرى في رحلة اكتشاف جديدة.. ربما كي تنبهنا كم نتغاضى عن رؤية الأشياء الأخرى من حولنا..

في قصتها الأولى تحكي عن فضة، أرملة تعيش وحيدة.. و تتعرف على السحر الذي يمكن أن يمنحه لها مراقبة المسافرين في أروقة المطار، و في اللحظة التي تظن أن قصتها الأولى انتهت.. تبدأ قصتها الثانية.. لتكتشف أن راويها ليس سوى ذلك الشرطي الشاب الذي كان يراقب فضة في زياراتها الغامضة للمطار، قصتها الثالثة تكون أكثر مراوغة.. فهي تبعدك قليلا عن أجوائها السابقة حين تحكي عن فتاة شابة قادها تمردها على مرض السكري لنفق مظلم، لكن حين تقرأ القصة الرابعة تدرك أنك لا تزال تعيش في الدائرة ذاتها.. فتلك الفتاة ليست سوى صديقة مريم، الطفلة اللقيطة.. التي منحتها فضة ذات يوم زجاجة عطر، هكذا تقودنا ابتسام.. في دهاليز متشابكة، و كأنها تهدينا خيوطا رفيعة و تترك لنا مهمة اكتشاف العلاقة بين قصة و أخرى.. تستثير الحواس و تجعلك تتنفس كل كلمة كتبتها.!!

أكثر ما أعجبني في الكتاب، غوصها في خضم تفاصيل الحياة المحلية، بكل أشكالها/أسمائها/و أماكنها.. فحين تتحدث عن مكان ما، أبتسم.. العاصمة، الكورنيش، حديقة المطار، محل التسجيلات قرب الجسر، هذه فتاة عاشت لتحكي للعالم عن واقعنا الجميل، عن مجتمعنا الذي لم يكتب عنه الكثيرون.! هي “شرجاوية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، و حين توقظ في ذاكرتي تفاصيل ممارسات عتيقة.. أسأل نفسي: ” ياااه، كيف نسيت هذا؟ كم كان بديهيا لحظة حدوثه! ”، ليالي السهر على الأسطح حين تنقطع الكهرباء و مراقبة الجيران، الغطاء الصوفي ذو الورود المتفتحة و الذي يتدلي من طرفه ورقة تثبت هويته (Made in China)، المصابيح الدائرية كبلورات المصطفة فوق السور العالي، ثوب فضة المخور و جيبه المندلع، شيلة سوداء معقود أحد أطرافها على هيئة صرة صغيرة.. يذكرني بالعقدة في طرف شيلة جدتي التي يتدلى منها مفتاح دولابها ذو الرائحة المعتقة.!

ما يجعلك تعيش معها أحداث ما تكتبه، هو استثارتها لحفيظتك التي تعرف تماما ما الذي تقوله، فهي تتحدث عن قصائد طناف، أغاني علي بن الروغة، تذكرك بـ (أيام) طه حسين، (مدن ملح) عبدالرحمن منيف، حزن إيزابيل الليندي على ابنتها (باولا)، و آل باتشينو الضرير في (عطر امرأة)، تحكي عن المنتديات الإلكترونية، و الـ iPod الذي يحمل تناقض صاحبه المتعلق بأغاني قديمة لا يعرف عنها الجيل الجديد شيئا.. تحكي عن سيارة البي إم، و التسكع طويلا في شوارع الشارقة.. كل هذه الأشياء تمنح القصص واقعية جميلة.. تجعلك تبتسم.. و تفكر، كم كانت ذكية و هي تكتب كل هذا..!!

المَوْتُ يَمُرُّ مِنْ هُنَا

6 مايو 2008

ملحمة أسطورية، خطها عبده خال بقلبه قبل أن يخطها بقلمه.. هي تشبهه جدا.. في بؤسها، و ألمها، و إنسانيتها العميقة جدا.. التي تجعلك تتوغل كثيرا في داخلك.. و تبحث عن الإنسان فيك.. حكاية الظلم الأبدية التي نسجت منذ بدء الخليقة، حين ينصب الإنسان من نفسه إلها على البشر.. لأنه قوي و هم الضعفاء، لأنه غني و هم الفقراء، لأنه كريم و هم الأذلاء.. و لأنه غارق في السواد.. الأبشع من حكاية الظلم.. هو خنوع البشر و رضاهم به، و تعايشهم معه حتى يغدو جزءا من حياتهم اليومية.. يتنفسونه مع الهواء العفن، و يشربونه مع الماء النتن، و يتجرعونه بكل رضا و سعادة.. متنازلين عن حقهم في عيشة كريمة هانئة..

عبده خال يهدينا نتفا من حكايات ممزقة، يوقظ الموتى من قبورهم و يجلس ليسطر ما يحكونه عن آلامهم، عذاباتهم، و بؤسهم.. حتى حقيقة موتهم التي شوهها البشر بألف رواية و رواية.. تسمع فحيح الموت بين السطور، و ترى ظلمة القبور و أنت تقلب الصفحات، لأن الموت يمر من هنا.. يجب أن تراقب خطاك جيدا كي لا تتعثر به، و تسقط فيه على حين غفلة..! لأنك لو تعثرت فلن تستيقظ أبدا، سيبتلعك الموت و يغرقك في هاوية (السوادي) المظلمة.. و التي لا يخرج منها من يدخلها..

درويش، موتان، و عبدالله.. هذه الدماء الغضة التي رفضت الانصياع للظلم، و صرخت عاليا لتوقظ أهل القرية النيام بسكر تحت مظلة السوادي.. لم يسمع لهم أحد.. و نعتوهم بالجنون، أرادوا أن يذيقوهم طعم الحرية، و السعادة، و النور.. لكنهم رفضوا..! و تمادوا في تعذيبهم، و الانقياد بطاعة عمياء لأوامر السوادي، الذي نسجوا حوله أساطير كثيرة من وهم خيالهم.. كي يعظموه أكثر، و يجدوا لأنفسهم أسبابا تبرر ضعفهم و خنوعهم.!

لا يهديك عبده خال نهاية توقظ فيك فرحة غرقت في وحول البؤس و الشقاء، بل يتمادى في تعذيبك.. و النبش عن ذاتك الإنسانية.. يقتل فيك لهفتك للوصول إلى النهاية بفاجعة تتلوها فاجعة، تتسارع في نبض تستغرب فيه استعجاله.. لكنه يخبئ لك ما لا تتوقعه.. حين تموت كل القلوب المناصرة للحق، و يهرب ما تبقى منها من بطش السوادي المخلد بظلمه في قلوب البشر، تدرك حينها أن الموت لا يمر من هنا فقط،.. بل هو يولد ليعيش و يستوطن و يتوغل بجذوره عميقا في أرض تعبق برائحة الدم، و لكي تبحث عن السعادة لا بد أن تهرب من عينيه.. التي تهديك موتا في كل مرة تنسكب فيها على جسدك.. فهذه قرية موبوءة بالشقاء، لا ينبت فيها الفرح.. و لا تعرف العدالة طريقا إليها..

في حكايته هذه، يوثق عبده خال حياة قرى الجنوب، الغارقة في بؤسها/فقرها/ و جهلها.. يجسد بتفاصيله الصغيرة التي يحيك منها ثوب روايته.. أساليب الحياة في تلك البقاع المنسية من الأرض، حيث يأكلها الجوع و يلتهمها الظلم.. قرى تستند على عصا متآكلة لتنهض في وجه الأرض، ترتجي السماء قطرة ماء.. و تطلب الرحمة من سيول دفاقة تبيد كل شيء في طريقها..

بيننا ألف سوادي، و لا درويش واحد.. يقف في وجهه..

 

” يتسلل عبده خال إلى الذوات المقهورة، ينبش في أحزانها التي تكاد تغرق العالم، ليُغْرِق بها مناخات روايته “الموت يمرّ منه هنا”. لن يكون عسيراً عليك وكقارئ مسّ تلك العبارات المغرقة بالألم، وتلك الأخرى المغرقة بفلسفة الألم وبفلسفة الظلم، تعيها ذاتك، وتحرك داخلك أعاصير احتجاج، ومن ثم تنتابك مشاعر شتى وعيناك تلتهم السطور والصفحات، وتمضي مع الشخصيات التي يرسمها الروائي بدقة وببراعة وبشفافية رائعة، تمضي معها وهي تحدث عن عذاباتها، وصدى عبارات يتردد داخلك؛ نحن هكذا.. نعلم أن الظلم يعشش فوق هاماتنا فنحني له قاماتنا، صاغرين، ونسير العمر بطوله نحمل حدباتنا الكبيرة، وتبرمنا الخافت، ولا نكتشف وهن هذا الظلم إلا عندما نفرد قاماتنا على النعش حين يكون قد تلاشى فينا كل شيء .”  (من نيل و فرات)