
كنت قد أنهيت قراءة كتابه للتو، و بينما أنا أتجول في موقعه تعثرت بخبر زيارته للجامعة في اليوم التالي لتوقيع كتابه (للحزن خمسة أصابع) إضافة إلى عرض أحد الأفلام التلفزيونية التي قام بكتابة نصها، كانت الفرحة لا تسعني و أنا أقرأ الخبر في الوقت المناسب جدا.. و في اليوم التالي، حين تمكنت من معرفة المكان و الوقت الذي سيتم فيه عرض الفيلم توجهت وحدي، فلم أجد فيمن حولي من هو مهتم بالأشياء ذاتها التي أهتم بها.. كان الحضور بالنسبة لي مهما جدا، ربما أردت أن أتغلب على خوفي و ترددي الذي جعلاني أضيع الكثير من الفرص، هذه المرة سأغتنم الفرصة و لن أفرط بها أبدا..
مبنى الأنشطة الطلابية، الطابق الأول، قاعة السينما.. هذا هو العنوان الذي حصلت عليه، حين ولجت القاعة كانت أستاذة أجنبية تتحدث بلكنة عربية مضحكة تقف عند الباب، و تطلب من طالباتها التوقيع على ورقة الحضور.. ابتسمت لها و اتخذت لي مقعدا في الصف الثاني، أردت أن أكون قريبة من الشاشة.. لمحت الأستاذ (محمد حسن أحمد) يدخل الباب، تعرفت عليه من الصور في موقعه بملامحه الهادئة، كانت الفرحة لا تسعني و كنت متشوقة لبدء عرض الفيلم، أخذت أقلب في نسختي التي قرأتها و ملأتها بالخطوط و الملاحظات.. لم أكن أعرف شيئا عن الفيلم، كان حضوري فقط كي أقف أمام الكاتب و أخبره كم أحببت الكتاب..
حين بدأ عرض الفيلم نسيت تماما كل ما حولي، و غرقت عميقا في صوت خديجة الكفيفة و هي تروي كل ما تراه حولها بطريقتها الخاصة، كان ذلك النوع من الأفلام الإنسانية العميقة التي تتغلغل في دواخلنا لتلامس أحاسيسنا و تحرك عاطفتنا.. كل شيء كان يجعلني أحبه أكثر، النص الذي كتب بطريقة رائعة، الأحداث الواقعية البعيدة جدا عن مبالغات الدراما التلفزيونية التي اعتدناها في المسلسلات الخليجية، التصوير الاحترافي و الإخراج المتقن، الموسيقى التي تفتح لك بابا تعبر فيه إلى أحداث القصة، و الشخصيات التي تشبهنا كثيرا..
للحظة تنبهت أن الكاتب يجلس في الصف الأمامي، لا أدري لم خطر ببالي أن أراقبه و هو يشاهد الفيلم الذي كتبه و قد بات شيئا ملموسا.. كان يتابعه باهتمام و حب، و كأنه يشاهده للمرة الأولى، يبتسم حين تنطلق ضحكة الطالبات في القاعة على مشهد مضحك، و يعبث أحيانا بسبحته ذات الخرزات السوداء، أو بهاتفه النقال الذي كانت شاشته تضيء بين وقت و آخر أو يرتشف من كأس العصير الذي وضع أمامه، كنت أفكر.. كيف يكون شعوره و هو يرى مشروعه/طفله و قد لاقى كل هذا النجاح و القبول؟ تمنيت لو أسأله هذا السؤال.. لكني فيما بعد نسيت مراقبته و أنا أعيش مع الفيلم كل لحظاته.. أذكر أني بكيت تأثرا، ليس لأن الفيلم حزين جدا، بل على العكس تماما.. فهو رغم رسالته التي تلامس واقعنا جدا، إلا أنه استطاع أن يجعله مرحا و مضحكا بطريقة ما… لكنه الصدق الذي لمسته في الفيلم، هذا الصدق الذي أفتقده كثيرا في كل ما يعرض على شاشاتنا..
بعد انتهاء الفيلم جرى نقاش مع الكاتب حول هذا الفيلم بشكل خاص و صناعة السينما الإماراتية بشكل عام، و لا أبالغ إن قلت بأني كنت فخورة جدا و أنا أستمع له، أفكاره المتميزة و حضوره الرائع، طموحه، رغبته في صناعة المختلف و المميز، إصراره على نقل الواقع بكل تفاصيله، و استقلاليته في صنع بصمة تميز أعماله، كان يتحدث بتفاؤل عن الأعمال الشابة التي بدأت ترى النور.. و التي ستتمكن في السنوات القادمة من إيجاد أرضية صلبة تقف عليها صناعة السينما في الإمارات، لسنا بحاجة للكثير من أفلام الرعب و المغامرات و الأكشن.!! يكفينا جدا أفلام تلامس واقعنا و تحكي همومنا كي توصل أصواتنا للفضاء.. ليس لأننا أشخاص عاطفيون و نحب كل ما هو عاطفي و حزين، بل لأن الأعمال الإنسانية وحدها هي الخالدة.. وحدها القادرة على إحداث تغيير..
من بين الحضور، كانت هناك طالبة كفيفة.. أصرت على الحضور رغم أنها لا تبصر.!! لكنها قالت: “شاهدت الفيلم بصوت خديجة و هي تروي كل ما تلمسه/تسمعه/تحس به..”، لم تكن بحاجة لعينين كي ترى، فهؤلاء يبصرون بقلوبهم و ربما يمنحون التفاصيل الصغيرة أهمية أكبر مما نمنحها نحن القادرون على رؤية كل شيء دون أن نلتفت كثيرا لما حولنا.. رأيت الفرحة تطل من عيني الكاتب و هو يسمع رأيها، أحسست أنه في تلك اللحظة كان واثقا جدا أن رسالته قد وصلت.. فأي شيء أجمل من أن يقول له كفيف أني رأيت أحداث الفيلم.!!
كانت نسخ الكتاب تنتظر على الطاولة، و رغم أني أحضرت نسختي الخاصة، إلا أني كنت طماعة جدا و اشتريت ثلاثة نسخ إضافية، اثنتان منهما بتوصية، و الثالثة كي أهديها لأي شخص يستحقها.. حين وقفت أمام الكاتب لأمد له كتابي، كان قلبي يخفق بقوة.. لم يسبق لي أن تحدثت بصوت عال في حضرة كاتب، لكني بذلت جهدا مضاعفا كي أتغلب على خوفي و أتمكن من سكب صوتي أمامه، مددت له كتابي و قلت له: “أستاذ محمد، قرأت كتابك.. كان جميلا جدا”.. كنت أعرف أن الوقت لن يكون كافيا لأخبره برأيي، فخمسون نسخة أخرى تنتظر الحصول على توقيعه، ابتسم لي و سألني: “حقا؟ هذا رائع”.. مددت له ورقة بيضاء لطخ بياضها بحبر أسود يحمل حروفي التي كتبتها عن كتابه، قلت له: ” حين أقرأ كتابا ما و يعجبني، أحب أن أكتب عنه.. أتمنى أن تقرأ رأيي في كتابك”.. أخذ الورقة و تابع التوقيع على النسخ الثلاث المتبقية..
خرجت و أنا أقفز فرحا.. ليس لأني حصلت على توقيعه فقط، لكن لأني تمكنت من انتهاز هذه الفرصة التي منحتني أكثر بكثير مما توقعته.. الآن أستطيع أن أقول و بكل ثقة.. كم أنا فخورة بابن بلادي..
* موقع الكاتب: http://alwjh.net/