أبريل 2008

اَيُّهَا المَرَض، ابْتَعِد.!

29 أبريل 2008

حين تعيش وحيدا، يصبح التعامل مع المرض أكثر صعوبة.. يغدو هذا الكائن وحشا صلبا يصعب ترويضه.. و رغم أن الحمى تشعل دمك.. لكنها تحيل أطرافك قطعا من جليد.. تقف لدقائق تحت ماء ساخن يتصاعد منه البخار، عله يمنحك بعضا من دفء.. لكن لا جدوى.! تتدثر بمعطف صوفي خبأته في خزانتك مذ رحل الشتاء.. ترتدي طبقتين من الجوارب الصوفية الملونة، تبتلع الكثير من أقراص الدواء، بيضاء و ملونة.. دون أن تهتم بمعدتك الخاوية، و رغم أنك لم تحب القهوة السوداء أبدا.. لكنك اليوم تشعر برغبة عارمة لتشربها.. ربما لأنها تشبه كثيرا جدران غرفتك التي استحال طلاؤها الأبيض سوادا حالكا كالليل، ففي أيام مرضك.. أنت تكره النور كثيرا، و تستقبل الظلمة عن طيب خاطر.. رغم أنها تمنح الأشياء ظلالا مرعبة، توقظ فيك طفلا يقضي ليالي حمته يقظا، مغمضا عينيه بقوة كي لا يرى تلك الأجساد الضخمة المستديرة كدواليب فارغة و هي تقترب سريعا لتدهس جسده الصغير بحركتها الدائرية المقيتة..!

حين تعيش وحيدا، يزورك المرض مثيرا زوابع رملية من الحزن، يجعلك تختنق بالهواء.. و تغص بالماء.. فتهرب من غرفتك إلى حيث تلتحف السماء، تجر خطاك، تفتش عن غيمة عابرة علها تنتشلك من هذه الأرض النائية، تلقيك في أحضان أمك.. أو أحباب تشتهي قربهم، لكن السماء تكون بخيلة جدا هذا المساء، حتى أنها تشيح عنك بوجهها، لا تمنحك ذات الدلال الذي تناله منها في أمسياتك المعتادة معها.! فتعود لوكر وحدتك خائبا، و الحمى تهز أطرافك.. تخبئ جسدك في سريرك.. و تحاول أن تلوذ بالنوم، فلا تجد إليه سبيلا.. تشتد الحمى، تصطك أسنانك، ترتعش أطرافك.. لا شيء يخفف عنك هذا الألم.. حتى كلماتهم المسافرة من خلف أسلاك كهربائية و شاشات زجاجية، تقرأها بصعوبة.. و تمضغ وحدتك بصمت، هذا الشعور يتضخم في داخلك، و يجعلك تركض بعيدا هربا منه..

حين تعيش وحيدا، يُخيل إليك أن نوبة المرض العابرة هذه هو موت جاء يطرق بابك.. فتبكي كثيرا، ليس لأنك تخاف الموت، لكن لأنك لا تريد أن تموت وحيدا.. مهملا في غرفة مظلمة.. و قد يتعفن جسدك قبل أن يكتشفوا أنك فارقت الحياة..! لأجل هذا ترتجي وجود أي كائن حي قريبا منك.. كي يلقنك الشهادة و يبتسم في وجهك قبل أن تنام إلى الأبد، و حين يجتمعون حولك.. تشعر أنك طفل صغير يحتاج حضن أمه.. فتبكي أكثر، يكدسون الأغطية فوق جسدك المرتعش، و يأتونك بماء دافئ.. و شاي ساخن.. و مدفأة تنفث حرارتها في وجهك.. يسدون فتحات التكييف.. و يغلقون النوافذ التي شرعتها كي تأنس برفقة النجوم، لكن جسدك ما عاد يملك قوة ليقاوم المرض، فتستسلم للذهاب إلى المستشفى.. حيث يسألونك أسئلة غبية، لست قادرا على إيجاد أجوبة لها.. و تصبح الممرضة التي ترافقك هي ملاذك الوحيد و مصدر شعورك بالأمان، رغم أنك لم تعرفها من قبل.! لكنها تحنو عليك.. و تربت بيدها الدافئة على كتفك.. تجمع خصلات شعرك المتناثر و تخبئها تحت غطائك.. تمسك بيدك حين تصرخ من أثر الحقنة الموجعة، و حين تغيب لدقائق كي تجلب لك ماء، تصبح لحظات غيابها دهرا.. و تنتظر عودتها بلهفة، ليس من أجل الماء.. لكن كي تحتمي بحضورها من شبح الوحدة المخيف..

 * لا تستسلموا للمرض، كونوا أقوى منه لأجل كل من يحبكم.. تذكروا كل الأشياء التي خططتهم لها و أجلتموها كثيرا.. بادروا لتحقيقها سريعا، فقد لا تستيقظون أبدا من نومكم هذه الليلة.. و ستظل الأشياء عالقة، لا تجد من يحققها بدلا عنكم.!

زُجَاجاتِي الفَارِغَة

23 أبريل 2008

اليوم، و أنا أضيف زجاجة عطر جديدة إلى قائمة روائحي المفضلة.. أحسست أني جاحدة جدا، لكل العطور التي خطت برائحتها تاريخ أيامي من قبل، سألت نفسي كثيرا: لم لا أحتفظ بزجاجاتها الفارغة؟

اعتدنا أن نتنكر لأشيائنا الصغيرة/أقربها إلينا/و أكثرها ملامسة لتفاصيل حياتنا اليومية.. ألم تكن هذه الزجاجات تحتفظ لنا بروائح عطورنا المفضلة؟ ألم تكن تشاركنا كل لحظات يومنا؟ تشعر بملمس أصابعنا و نحن نتناولها من فوق الرف.. نقربها إلينا، نأخذ شيئا من عبيرها، ثم نعيدها إلى مكانها الذي تجيد الوقوف فيه بصمت و بلا تضجر.. نعود إليها كثيرا في لحظات الحنين، فللرائحة ذاكرة تحفر بعمق في أخاديد عقلنا الباطن، حين تفوح.. تستحضر معها عاطر الذكرى.. لحظة حب، موقف جميل، لقاء مرتقب، كتاب أغرقناه بالعطر، رسالة شوهنا حبرها برذاذه، أو هدية ظلت محتفظة بالرائحة طويلا.. قد نستنزف عبيرها، ثم حين تغدو مجرد زجاجة فارغة.. نهديها لسلة المهملات، فهي تقبل كل أنواع الهدايا.. ثم  نستبدلها بزجاجات أخرى.. لنعيش معها تاريخا جديدا من الرائحة..

كل العطور التي أحببتها بقيت معها حتى النهاية، حتى لفظت آخر قطرة عطر من جوفها.. أما تلك التي لا أحبها، لا أبقيها أبدا على رف تسريحتي.. بل أتخلص منها سريعا - و إن كانت ممتلئة -، وجودها يشكل عبئا ثقيلا على روحي.. و لعلي حين أقف في متجر لبيع العطور، حائرة.. لا أجد في الجديد أي شيء يثيرني، أعود لشراء عطوري القديمة.. لأستعيد معها ذاكرة عتيقة.. لأجل ذلك حاولت أن أتذكر كل الزجاجات  التي تركت بصمة في ذاكرتي.. تلك التي أحببتها و أحبتني.. خرجت بهذه الحصيلة..

* هل تذكرون عطوركم الجميلة؟ و هل تدينون لها بالانتماء كما أدين؟ ارجعوا إلى ذاكرتكم.. فتشوا عن كل روائحكم الجميلة.. و استعيدوا معها أجمل اللحظات..

أَصْوَاتُهُم حِيْنَ تَهْطِل

14 أبريل 2008

كيف يمكن لأصواتهم، أصواتهم فقط  دون أي شيء آخر.. أن تجعل الحياة تدب في عروقنا فجأة، هكذا.. بدون أي مقدمات..؟! 5 دقائق و 12 ثانية.. كفيلة بأن تجعل وجه الليل يبتسم، و النجوم تهرب فرحا، تأتي أصواتهم لتكنس التعب الذي يجثم فوق أجسادنا و يجعلنا نتقلب في سرير لا يزوره النوم كثيرا.. تأتي ليغادرنا الصداع العنيد سريعا.. دون مقاومة، و كأنها أقراص (بندول) أو مضادات حيوية كما يحلو لهم أن يسموها..!

تأتي أصواتهم رقيقة كنسمة، مباغتة كموجة، تعبرنا كغيمات مرتحلة.. تلقي أمطارها و هي تبتسم بصمت، هم لا يتكلمون كثيرا.. و يجيبون على أسئلتنا بأجوبة مقتضبة.. لكنها محببة جدا.. بذات النبرة.. الهادئة، المتمردة، الموغلة في غموض يفضح كبرياءهم.. حتى الأحاديث العادية، و الأسئلة المعتادة.. يكون لها لون الربيع إذ توقظه الشمس، و رائحة العشب إذ يبلله الندى..أصواتهم حكاية تعلمناها ذات صدفة، و حين اعتدناها.. بتنا نكررها على مسامع الوقت حتى اشتاق لهم و لها..

حتى حين تنتهي المكالمة سريعة عابرة، يظل وقعها عالقا في القلب كحلم جميل مر عابرا فوق حقول الغيم، فننتفض فجأة و يصبح مشوار الذهاب إلى الجمعية لشراء كرتون ماء أمرأ شيقا..! نكدس البضائع المصطفة فوق الأرفف في سلتنا بفرحة غامرة..نشتاق لكل أشيائنا الأليفة التي توقفنا عن شرائها منذ زمن، عصير فيمتو، بفك عمان، روب بالفراولة و أصابع الكاكاو، حتى أن  رقائق الشيبس المملحة تصبح لذيذة أكثر كما لم تكن من قبل، نلوذ بصدر الليل، نبوح له بسر الفرحة التي تتقافز في عيوننا..  نعود للجرائد المكدسة فوق المكتب الخالي و التي انتهت صلاحيتها منذ أسابيع، نقلب أوراقها بحثا عن أخبار ضاع صداها في الفضاء، تنتابنا رغبة لإنهاء كل التقارير المؤجلة و المهام التي مر موعد تسليمها، تغدو ساعات الليل المبعثرة بين أصابعنا كافية جدا لنفعل فيها كل شيء.. كل شيء.!

* ابحثوا عن أصواتهم في سراديب الوقت، فهي كفيلة بأن تجعل الحياة تتفتق في صدوركم، كي تنبت أيامكم نجمات فرح شابة..

مِنْ أَيْنَ يَأتِي المَوْتُ فَجْأَة؟

6 أبريل 2008

 من أين يأتي الموت فجأة؟ ينتزعنا من عقارب الوقت, و يجعل الزمن يسير بضبابية مقيتة، لا ندري أيتقدم أم يتأخر.. أم أنه يقف عند اللحظة النبأ، بكل اتساع دهشتها، بكل صمتها، بكل دموعها التي لم تعبر نوافذ العين.. اللحظة النبأ، حين تتجمد الأصابع ممسكة بالهاتف، تتعرق الأيدي، و يصمت الكون كي نسمع دقات قلبنا بوضوح، و الطرف الآخر يلح باحثا عن ردة فعل.. ألو؟ ألو؟

هكذا يأتي الموت فجأة، يرمينا في غياهب الحزن، و يمنح الفرح تأشيرة سفر، يتمدد فينا الوقت فلا نجد ما نملأ به جيوبه غير حجارة من صمت نلوكها، و نبتلع المرارة.. نحدق في الوجوه الموشحة بالسواد، في الأجساد المصطفة بانتظام.. تستمع لآيات من القرآن في صمت، تبكي، تكور المناديل الورقية، و تكدسها في سلة المهملات.. اليوم لا تفلح كل مناديل العالم في تجفيف الدموع، و إيقاظ القلب من دهشة الوجع/وجع الدهشة..! لا نسأل عن أية تفاصيل.. فما عاد لها أي أهمية الآن، تستيقظ التفاصيل النائمة في الذاكرة منذ عقود، بكل صور الطفولة الملونة.. تنفض الغبار المتراكم عن القلب، و تمنحنا أسبابا جديدة للبكاء، كل الصور تبدو حية نابضة.. تماما كما كانت ذات حدوث.. تفوح منها رائحة الأشجار و التراب، تزحف كتلك الحلزونات التي كنا نجمعها و نحن نستمع لصوت أذان المغرب يتصاعد ليملأ سماء الأفق الملبدة بحمرة دافئة.. حتى الكلمات التي أطلقناها عليهم ذات استهزاء طفولي أحمق.. تبدو الآن مؤلمة.. كخناجر تدمي القلب، كل الشجارات التي افتعلناها بغباء مقيت.. نندم عليها كثيرا، نتمنى لو كنا أكثر تسامحا و عطفا.. حقائبهم المدرسية الملونة، و كتبهم ممزقة الأطراف، أحذيتهم الرياضية التي استحال بياضها سوادا.. و كنزة صوفية حمراء تطل برأسها من رقبة ثوبهم بطريقة مضحكة.. اسم معلمتهم الذي كان محط سخرية دائمة، مغامراتهم المدرسية التي استمعنا لها بابتسامة عريضة، كل ذلك يبدو أكثر من أشياء عابرة.. تستيقظ فينا.. و تمنحنا رغبة متجددة للبكاء..

فرحتهم التي لم نجد وقتا لنفرح بها، و يوم زفافهم الأبيض الذي اعتذرنا عن حضوره.. و السنوات الطويلة التي مرت دون أن نراهم فيها، و نلمح شعرات تنبت ببطء لتملأ شاربهم، نفتش في أدراج الذاكرة عن ذكريات جديدة، أقصر عمرا.. فلا نجد.! نبحث عن حديث عابر، سلام موجز، ابتسامة صامتة، ندرك أنا ابتعدنا عنهم كثيرا حتى خلت أيامنا منهم، كيف استطاعت الأيام أن تفعل بنا هذا و قد كانت أشركتنا سنوات عمرهم الأولى/اليافعة جدا؟ ربما بدأ ذلك حين احتجبنا عنهم أول مرة سمعنا فيها صوتهم الذي اكتسى غلظة لم نألفها من قبل.!

هكذا يأتي الموت فجأة، ينتظرهم عند إشارة مرور حمراء، أو تحت عجلات شاحنة ضخمة، أو بين موجات بحر مالحة تملأ فمهم حتى الغرق، أو في ألسنة لهب لم يُعرف من أضرمها، هو لا يحتاج لسرير أبيض، و مرض طال تاريخه، لا يحتاج لأسباب أبدا.. إنه يثور فجأة.. يقطف ثمارا ناضجة و يمضي.. يتركنا نفكر بالفراغ الذي خلفه في الغصن الأخضر، ليس هناك إمكانية لتنبت ثمرة أخرى مكانهم، فنبكي بصمت.. ننتظر دورنا، حين يثور الموت مرة أخرى.. ربما يقطفنا، و ربما يقطف ثمرة أخرى على الغصن المجاور..

تهاجم الحمى جسدنا كطريقة لتثبت لنا أنا في حالة حزن.. و أن مناعتنا تهبط حين نحزن، تمنحنا ارتعاشة برد تذكرنا من جديد بالموت، نصرخ بكل من حولنا: (دثروني، دثروني)، لا أحد يسمع صراخنا.. و غطاؤنا اليوم لا يملك دفئا يمنحه لنا.. هذا الظلام من حولنا يجعلنا نفكر بهم و التراب يحيط بهم.. من أمامهم و من خلفهم.. عن يمينهم و عن شمالهم.. من فوقهم و من تحتهم.. يملأ فتحات الكفن الذي لم نره.. و نتذكر أن ملائكة الموت ستحاسبهم، فندعو لهم طويلا.. نتخيل أنفسنا مكانهم، أي شيء سنقول لهم؟ هل سنعترف بكل أخطائنا الصغيرة و الكبيرة؟ أم أننا سنتنكر لها كأنها لم تكتب علينا أبدا..!

هكذا يأتي الموت فجأة، يمنح ذاكرتنا صحوة مؤقتة، نبكي فيها، نحزن، و نتألم.. ثم نعود من جديد، نغرق في تفاصيل يومنا التي تملأ فراغا خلفه رحيلهم، تذكرنا الأشياء/الأماكن بهم لأيام.. ثم تدريجيا تفقد ذاكرتها، و يصبح مرورنا بها عاديا.. كأنها لم تكن يوما نابضة بهم، نعود لنراكم الذنوب التي استغفرنا منها يوم موتهم، حتى يأتي الموت مرة أخرى.. فجأة، ليمنحنا دهشة جديدة توقظنا من جديد..!

* إنهم يحتاجون دعاءكم الليلة، تذكروا كل أمواتكم و ادعوا لهم.. ستحتاجون يوما من يتذكركم و يدعو لكم..