مايو 2008

كِبْرِيَاء وَ هَوَى

28 مايو 2008

كم مرة علي أن أشاهد الفيلم، ثم أقرأ الكتاب، ثم أشاهد الفيلم، ثم أعيد قراءة الكتاب.. كي أقتنع أني أحب هذه القصة جدا.. أحبها مقروءة، و مرئية و مسموعة.!

لا تلتفتوا أرجوكم للغلاف، فهو دون المستوى.. ككثير من الكتب العربية أو المترجمة، و التي لا أدري أين تغيب عنها ذائقة دار النشر لتضع أغلفة رديئة كهذه.! حسنا.. يكفي أن الغلاف يحمل اسم جين أوستن كي يشجعني على اقتنائه، كما أني لا زلت غير مقتنعة بالترجمة العربية لعنوان الرواية ” Pride & Prejudice “.. و أظن أن الترجمة الأصح هو “كبرياء و تحامل”، و التحامل هو الحكم المسبق على الشخص ظاهريا دون التعمق لمعرفة النوايا الداخلية.. و هذا هو المحور الرئيس الذي تدور حوله الرواية.. فكيف تصر دور النشر العربية على اختراع عنوان جديد غير ما اختارته الكاتبة؟

تدور أحداث الرواية في الريف الإنجليزي - الذي عاشت فيه الكاتبة حياتها -، و تحكي عن الواقع الذي تعيشه عائلات الطبقة الوسطى…  والنظرة المتعالية التي ينظر بها إليهم أفراد الطبقة الارستقراطية، يخيل إلي أن جين أوستن كانت تعيد سرد حكايتها الشخصية، فشخصية (إليزابيث) بطلة القصة فيها الكثير من صفات جين نفسها.. و الحب الذي ربطها بـ (دارسي) يشبه العلاقة المميزة التي ربطتها بشخص ما لم تستطع الزواج منه لظروف فرضتها متطلبات الحياة في ذلك الوقت.. لولا أنها أعادت صياغة بعض أحداثها و اختارت لها نهاية سعيدة.. ككل قصصها.. ربما هي بذلك تحاول أن تمنح بطلاتها السعادة التي لم تستطع أن تحققها هي في حياتها.. و بقيت وحيدة دائما لا يؤنس وحدتها سوى الكتابة..

(إليزابيث) الابنة الثانية لعائلة (بنيت) تملك شخصية مرحة، ذكية، و متمردة.. تتمرد على الواقع الذي تعيشه و الذي يفرض عليها القبول بأول شخص يتقدم لخطبتها كي يوفر لها مستقبلا يقيها الفقر الذي عانت منه عائلتها دائما، هي تطلق أفكارها لما هو أبعد من ذلك.. تبحث عن الحب، عن الحياة، عن السعادة الحقيقية.. تقودها أقدارها لتدخل في دهاليز علاقات متشابكة مع أفراد من الطبقة الارستقراطية.. لتكتشف زيف هذه الحياة الباذخة المترفة، و رغم ذكائها.. إلا أن تسرعها للحكم على ظاهر الأمور و تصديق من تثق بهم، يجعلها تبني تصورا جائرا لشخصية (دارسي) الذي تشعر نحوه بالانجذاب رغم كل شيء..

قد تكون الحقيقة مؤلمة.. لكنها حين تظهر، تجعلنا ندرك كم كنا  مخطئين بحقهم، و كيف أن تلك السنوات كانت خادعة جدا و نحن نرسم لهم صورة مختلفة تماما عن حقيقة ما يكونون.. ندرك أننا كنا متشابهين جدا، إلى الدرجة التي لم ندرك فيها هذا التشابه.. في الوقت نفسه قد تتكشف لنا حقائق أخرى، أحسنا الظن فيها كثيرا.. و التمسنا الأعذار لها دائما.. لندرك كم كنا مخدوعين و نحن نمارس دور السذج البسطاء طيبو القلب

للْحُزْنِ خَمْسَةُ أَصَابِع

25 مايو 2008

لم تكن القراءة له تكفيني، تماما كما لم تكفيني القراءة عنه.. لا بد أن أكتب عنه كي أكمل فرحتي بحرفه، محمد حسن أحمد يشبه رجال وطني الباحثين عن ما هو مختلف، المنقبين بين أكوام الكلمات عما يخلقهم.. و يمنح العالم بهجة ميلادهم، محمد يكتب عن الموت.. عن الوطن.. عن الحب.. عن السعادة.. عن النجاح.. عن الحزن.. عن الغربة.. عن الظلم الذي ينهش لحم الفقراء، و يبدد عرقهم في رطوبة الهواء المالح رغما عن الشمس “التي لا تعرق”..

” صمتكِ يوقظ الليل، دعيه ينام” .. و لأنه أراد لليل أن ينام كتب محمد عن حزنه ذي الخمسة أصابع، ذلك الحزن الذي نبت فجأة من الأرض التي دفن فيها جسد مراد.. مراد الذي رفض الوطن أن يمنحه اعترافا بأبوته فعاش غريبا كما الليل، يتنفس ملح حزنه المنسكب مع كل زفرة.. مراد الذي عرف الحب في أرض وعرة، و قطف زهرته ليسكن سعادة كانت تفر منه.. مراد الذي أوقف لحظات الزمن بعدسة كاميرته، لونها بالأبيض و الأسود كما لون أيامه.. كانت نورة هي فرشاة ألوانه التي جعلت لحياته معنى.. و حين جاء الموت ليقطفه، آثر أن يأخذهم معا، كي لا يحزن أحدهم أو يتألم لفقدان الآخر..

قراءته لم تكن سهلة أبدا، فهو شاعر يجيد نقش الحزن فوق ناصية الحرف، و هو مصور يعرف كيف يمنح الضوء سلطة في المكان، و هو سينمائي يجيد هندسة الأماكن كي تليق بأفكار الكلمات، كنت أضع خطوطا كثيرة تحت الجمل، و أعيد القراءة أكثر من مرة.. كي أفهم أحيانا.. و كي أغرق أحيانا أخرى في أعماق المعنى.. لكني حين انتهيت، أدركت أن الوطن يترك غصة في حلق أبنائه، حين يتذكرهم بعد موتهم… و هم الذين تعثروا طيلة ساعات عمرهم بقوانينه و أوراقه الرسمية التي يطالبهم بخلقها من العدم..! 

اقرؤوا لمحمد حسن أحمد، فهو الذي كتب عن وطن مجفف في طوابع البريد..

إِنِيْس حَبِيبَةُ رُوْحِي

21 مايو 2008

حين كنت أقف أمام اسم إيزابيل الليندي في الجناح المخصص لدار المدى، كنت في حيرة من أمري.. كان اسم رواية (ابنة الحظ) مدونا في الورقة التي حصرت بها ما أريد شراءه، لكن شيئا ما في داخلي جعلني أتناول كتابها الآخر (إنيس حبيبة روحي)، و لأني أقول دائما أن لنا مع الكتب التي نقرؤها قدرا خاصا.. لم أشأ أن أغير قدري مع هذا الكتاب.. و لم أندم على ذلك أبدا..

لا أدري كيف استطاعت إيزابيل الليندي - الكاتبة التشيلية المعاصرة - أن تأخذني عبر كتابها إلى القرن السادس عشر، حتى خيل إليّ أنها عاشت هناك.. وصفها الدقيق لكل التفاصيل الصغيرة، أساليب الحياة، تضاريس الأماكن و الأحداث الدامية التي عاشتها أمريكا اللاتينية في تلك الحقبة الزمنية، يجعلك تنظر إليها بإعجاب شديد، فهي إما واسعة الإطلاع على خبايا التاريخ، أو أنها امرأة ذات خيال خصب.. استطاعت أن تسافر بخيالها إلى ذلك الزمن لترسمه بحروفها بواقعية قد تدهشك.!

في كتابها هذا، تحاول إيزابيل إبراز دور المرأة في الفتوحات الجغرافية للعالم الجديد، ذلك الدور الذي تم تجاهله لقرون.. رغم أن هذه الحضارات لم تكن لتنهض لولا وجود المرأة إلى جانب الرجل.. تحبه، تدعمه، تؤازره، تطبخ له طعامه، تخيط ثيابه، تداوي جراحه، تبني بيته، تؤسس مدنا تفخر به، و تحارب معه إن استلزم الأمر..

إنيس، المرأة الإسبانية البسيطة التي كانت تعمل خياطة في بلادها، دفعها حب الفضول و الرغبة في المغامرة للتمرد على العادات السائدة آنذاك، و سافرت بحجة البحث عن زوجها إلى المجهول.. إلى الأسطورة التي يتحدث عنها الجميع، أرض الذهب و الكنوز، ألقت بها أقدارها في البيرو.. و لم تكن تعلم أن هذه المدينة ستغير مصيرها.. و تجعل منها مؤسسة تشيلي و حبيبة روح بيدرو دي بالديبيا.. ذلك القائد الشجاع الذي تقاطع مصيره معها في ليلة حالمة، و منذ النظرة الأولى أدرك كلاهما أن الآخر هو نصف روحه.. و هو حبه الحقيقي الذي لن يتكرر أبدا، و منذ ذلك الوقت.. و حتى موتهما بقي حبهما صامدا في وجه كل الصعوبات التي واجهتهما، سافرت معه إلى آخر العالم، كي يؤسسا حلمهما سويا.. اجتازا صحار قاحلة، جبالا وعرة، مستنقعات رطبة، و غابات كثيفة، كان الحب يظللهما و هما يرتجفان عطشا، و يحاربان بشرا متوحشين، و يضعان اللبنات الأولى لبناء مدينتهما الحلم.. سنتياغو..

إنيس تروي الحقيقة كاملة، بكل جمالها و بشاعتها، فتلك البطولات الخارقة التي رددها التاريخ لقرون، لم تكن مجرد أعمال بطولية سامية.. بل كانت ملوثة بدماء لزجة، جثث متعفنة، و أعمال وحشية لا حصر لها.. و هي إذ تحكي ذلك.. توقظ الإنسان بداخلها و يقف قلبها بصدق مع ما يفعله الوطنيون في تلك الأراضي، فهم يستميتون دفاعا عن أرضهم التي جاء غرباء ليسلبوها منهم دون أدنى حق، ينهبوا ثرواتها و يستعبدونهم فيها..!

” إن خبرة الليندي الطويلة ومرانها في عوالم الكتابة أمور دفعتها للبحث عن آفاق وعوالم جديدة لترصدها وتحكي عنها ربما لهذه الأسباب جاءت هذه التجربة التي تشكل توليفة من التاريخ والخيال والواقع في سرد ملحمي حرصت الكاتبة أن يكون ممتعا كسائر رواياتها مستندة في ذلك على براعتها  في التشويق ” (الكاتب/ لنا عبد الرحمن)  

ضَوْءٌ يَذْهّبُ للنَّوْم

19 مايو 2008

اختطفت الكتاب من جناح المجمع الثقافي بمعرض الكتاب، كان قراءة اسمها على الغلاف كافيا ليجعلني أبتسم، لم يغب عن ذهني لحظة واحدة.. مقالها الذي قرأته في جريدة الاتحاد و رددت عبارتها كثيرا ” الحياة قصيرة، و الكتب كثيرة”.. الكتاب الصغير، بصفحاته التي تتجاوز المئة بقليل صادر عن هيئة أبوظبي للثقافة  والتراث، ضمن مشروع (قلم) الذي يهدف لفتح نافذة للأدب المحلي كي يخرج للعالم، و يمسك بيد جيل الكتاب الصغار لينهضوا بثبات و قوة.. اشتريت كتابين آخرين لاسمين شابين.. لكن قدري مع هذا الكتاب كان يتربص بي..!

بدأت بقراءته لأقطع رتابة الـ 20 دقيقة التي سأنتظر فيها الباص، و كانت الدهشة هناك.. تنتظرني عند أول صفحة في مجموعتها القصصية.. وقفت مذهولة أمام قدرتها الرائعة على شد انتباهي و إثارة إعجابي بالتراكيب التي تصوغها، و اللغة الرشيقة التي تستخدمها.!! منذ أول قصة، قلت في نفسي: ” يا إلهي، سأقع في حب هذه الكاتبة “، و حين فرغت منها كتبت على ظهر الورقة الأخيرة:

” لا أدري ما الذي انتابني، ذلك النوع من المشاعر، ذلك الإحساس الذي يأسرني و أنا أقرأ ، أنتشي بالكلمات و أصفق للجمل.. هذه كاتبة ستأسرني طويلا.. حرفها من النوع الذي أحب، و الذي ينتفض قلبي لقراءته، سأحبك يا ابتسام.. سأحبك كثيرا.. أعدك بذلك ”

لعل ابتسام في كتابها هذا تراوغ، فمنذ الوهلة الأولى تظن أنك تقرأ مجموعة قصصية تضم بين غلافها قصصا قصيرة متفرقة لا تمت لبعضها بصلة، لكنك تكتشف في وقت لاحق أنه ليس سوى سلسلة من الحلقات، في كل مرة.. تمنحك حلقة واحدة تسلط عليها الضوء لتتأملها جيدا.. تقلبها بين يديك، و لفرط انشغالك بتفاصيلها الصغيرة، تنسى كل الشخوص الأخرى في القصة.. تنسى أنهم وجه آخر لحقيقة لا يمكن اكتشافها إلا عن قرب.. لذلك هي تختطف منك الحلقة الأولى فجأة، و تناولك أخرى، كي تغوض مرة أخرى في رحلة اكتشاف جديدة.. ربما كي تنبهنا كم نتغاضى عن رؤية الأشياء الأخرى من حولنا..

في قصتها الأولى تحكي عن فضة، أرملة تعيش وحيدة.. و تتعرف على السحر الذي يمكن أن يمنحه لها مراقبة المسافرين في أروقة المطار، و في اللحظة التي تظن أن قصتها الأولى انتهت.. تبدأ قصتها الثانية.. لتكتشف أن راويها ليس سوى ذلك الشرطي الشاب الذي كان يراقب فضة في زياراتها الغامضة للمطار، قصتها الثالثة تكون أكثر مراوغة.. فهي تبعدك قليلا عن أجوائها السابقة حين تحكي عن فتاة شابة قادها تمردها على مرض السكري لنفق مظلم، لكن حين تقرأ القصة الرابعة تدرك أنك لا تزال تعيش في الدائرة ذاتها.. فتلك الفتاة ليست سوى صديقة مريم، الطفلة اللقيطة.. التي منحتها فضة ذات يوم زجاجة عطر، هكذا تقودنا ابتسام.. في دهاليز متشابكة، و كأنها تهدينا خيوطا رفيعة و تترك لنا مهمة اكتشاف العلاقة بين قصة و أخرى.. تستثير الحواس و تجعلك تتنفس كل كلمة كتبتها.!!

أكثر ما أعجبني في الكتاب، غوصها في خضم تفاصيل الحياة المحلية، بكل أشكالها/أسمائها/و أماكنها.. فحين تتحدث عن مكان ما، أبتسم.. العاصمة، الكورنيش، حديقة المطار، محل التسجيلات قرب الجسر، هذه فتاة عاشت لتحكي للعالم عن واقعنا الجميل، عن مجتمعنا الذي لم يكتب عنه الكثيرون.! هي “شرجاوية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، و حين توقظ في ذاكرتي تفاصيل ممارسات عتيقة.. أسأل نفسي: ” ياااه، كيف نسيت هذا؟ كم كان بديهيا لحظة حدوثه! ”، ليالي السهر على الأسطح حين تنقطع الكهرباء و مراقبة الجيران، الغطاء الصوفي ذو الورود المتفتحة و الذي يتدلي من طرفه ورقة تثبت هويته (Made in China)، المصابيح الدائرية كبلورات المصطفة فوق السور العالي، ثوب فضة المخور و جيبه المندلع، شيلة سوداء معقود أحد أطرافها على هيئة صرة صغيرة.. يذكرني بالعقدة في طرف شيلة جدتي التي يتدلى منها مفتاح دولابها ذو الرائحة المعتقة.!

ما يجعلك تعيش معها أحداث ما تكتبه، هو استثارتها لحفيظتك التي تعرف تماما ما الذي تقوله، فهي تتحدث عن قصائد طناف، أغاني علي بن الروغة، تذكرك بـ (أيام) طه حسين، (مدن ملح) عبدالرحمن منيف، حزن إيزابيل الليندي على ابنتها (باولا)، و آل باتشينو الضرير في (عطر امرأة)، تحكي عن المنتديات الإلكترونية، و الـ iPod الذي يحمل تناقض صاحبه المتعلق بأغاني قديمة لا يعرف عنها الجيل الجديد شيئا.. تحكي عن سيارة البي إم، و التسكع طويلا في شوارع الشارقة.. كل هذه الأشياء تمنح القصص واقعية جميلة.. تجعلك تبتسم.. و تفكر، كم كانت ذكية و هي تكتب كل هذا..!!

نُقْطَتَان

18 مايو 2008

” .. “

نقطتان، هما كل ما تجده في جعبتك.. لترد بها على مئات الأسطر، آلاف الكلمات، ملايين الأحرف.. التي أسكبها بين يديك..!

نقطتان، تخرسان في مرورهما كل الفواصل، علامات التعجب، و الاستفهام، و الاستنكار..

نقطتان، و كفى.. و كأنهما تختصران تاريخ وجعي بك/وجعي معك/وجعي لأجلك..

نقطتان، و صمت أحبه لفرط ما يشبهك، و لفرط ما (يوحي) لي أنك تسمعني.. تسمعني بإنصات شديد، هل كنت تسمع حقا؟ أم أنه ما (يوحي) به الفراغ الذي يخلفه سطر يتلوه لا شيء..؟

نقطتان، و ليل يستجير بك.. يتركني في أَرَقِي أعُد النجمات، أعيد قطفها من فوق أغصان الليل.. و ترتيبها مجددا في سلة الصباح.. لطالما أحبك الليل، و لطالما أحببته.. ألأنكما متشابهان حد التطابق؟

نقطتان، تنهيان حديثا متشعبا، طويلا، و ملتويا، نتحدث عن كل شيء.. إلا عنا، نتحدث في أي شيء، إلا فيما يجب أن نكونه.. أتحدث فقط كي أبقيك معي، أثرثر.. أثرثر.. أثرثر كثيرا، لا تهم أبدا تلك الأحاديث الطويلة، الغبية، و المملة، المهم أن تكون معي.. فالساعات لا تجود بمثل هذه الرفقة كثيرا..

نقطتان، تسفحان دمع قلبي، تجعله يتنفس بكاء.. بعد أن اختنق وجعا..

نقطتان، و سخاء يفيض به قلبك.. شكرا لأني أحبك..

كَامِيْرُون يُنْقِذُ إِبلَنَا..!

14 مايو 2008

أوليفر كاميرون، الفتى الجنوب إفريقي.. بسنواته الإحدى عشر، يقود حملة لإنقاذ إبلنا من كارثة تهددها، نحن السبب الأول فيها..!

يقول هذا الطفل الذي وطأت أقدامه أرض الإمارات منذ تسعة أشهر فقط.. أنه قرأ في جريدة الـ Gulf News خبرا عن خطر يهدد حياة الجمال في الصحراء نتيجة تناولها لأكياس بلاستيكية نخلفها (نحن البشر)، و منذ تلك اللحظة وضع على عاتقه هدف إنشاء حملة لإنقاذ هذه الجمال، بدءا من معرض صغير أنشأه في مدرسته.. مرورا بفعاليات عديدة قام بها بالتعاون مع مدرسيه و أولياء الأمور، انتهاء بإنشاء موقع خاص لحملته..

 أوليفر يختار هذا المشروع نقطة انطلاق يغير فيها العالم، بينما لا يزال أطفالنا يلعبون البلاي ستيشن، يشجعون نادي الوحدة و الوصل، يشاهدون سبيس تون و يلقون المخلفات في كل مكان.. هل سيأتي يوم نجد فيه أطفالنا ينفضون عنهم هذه البلادة، يفتحون أعينهم، و ينظرون للعالم من حولهم؟

لا يمكن لهذا أن يحدث لو لم نزرع فيهم البذرة، لو لم نعلمهم أنهم جزء من العالم.. و أن أيديهم الصغيرة و عقولهم الكبيرة هي ما سيغير كل شيء.. لو لم نمنحهم الثقة بقدرتهم على إحداث الفرق.. لو لم نعطهم الفرصة ليفكروا بحرية و يعبروا عن رأيهم بلا خجل أو تردد، لو لم نعلمهم حب القضايا التي يؤمنون بها و الاستماتة للدفاع عنها، أطفالنا يملكون طاقات جبارة.. هم بحاجة فقط أن نرفع أيدينا عنهم قليلا.. أن نتركهم ينطلقوا، يبدعوا و يغيروا العالم..

ما آلمني حقا، أن تفاصيل الحملة تناقلتها عشرات المواقع و الجرائد الأجنبية، بينما لم يرد الخبر إلا في صحيفة محلية واحدة باللغة العربية، هل هانت علينا الإبل إلى الحد الذي ما عدنا نهتم فيه بحملة ترمي لتوعية الناس بخطر مخلفاتهم عليها؟ أم أن الألوف المؤلفة من المركبات التي باتت تملأ طرقاتنا و تزاحم أنفاسنا أنستنا كم تغنينا بسفينة الصحراء..!!

* استمر في حملتك يا كامرون.. فأطفالنا لم يستيقظوا بعد، و جرائدنا منشغلة بأمور أكثر أهمية، و مخلفاتنا باتت تزحف للصحراء،  و إبلنا تحتضر..!

صَمْتُكَ يَخْتَصِرُ اللُّغَة

12 مايو 2008

تهجرني الرغبة في الكتابة.. حينها أخرج بحثا عنك، لا شيء يستثير فيَ الحاجة لمضغ الحروف كما يفعل صمتك، أعرف تماما أين أجدك.. و متى سأجدك، حين ألتقيك أسألك بلهفة لا أرى لها شبيها في عينيك:

- شحالك؟

أنت لا تخبرني أنك بخير.. و لا تسألني عني، تقول دائما أنك لست بحاجة للسؤال.. فما دمتُ لا أزال أتنفس، فهذا يعني أني بخير.. أي منطق هذا؟ تغيب أياما طويلة، و حين أجدك.. لا تبادرني بالتحية، و لا تجيبني على أسئلتي.. بل تحكي لي عن أشياء تشغلك، تعرف أنها مهمة بالنسبة لي.. كل أشيائك تهمني، حتى تلك الصغيرة.. الضئيلة جدا.. التي لا تلقي لها بالا.. أسألك عن أشياء تبقى عالقة طويلا فوق مشنقة الوقت.. أنتظر انقضاء الصمت، لترميني بكلماتك - اللامبالية غالبا -:

- مااعرف

هكذا تكتبها.. دون همزة دائما، و دون أن تترك مسافة فاصلة بين الألفين، أنت لا ترهق نفسك كثيرا بانتقاء الحروف، وضع الهمزات، مراعاة قواعد اللغة أو اختيار علامات الترقيم.. جملك قصيرة دائما.. لا تتجاوز الكلمتين أبدا.. لكنها تشبهك، لأنها صامتة و مكابرة.. هل قلت لك أني أحب مكابرتك؟ كم عمرا علي أن أنفق كي أعلمك كيف تحب، و كيف تتخلى عن مكابرتك كي تقول ما يشعر به قلبك؟ كم جبلا من الصمت علي أن أتسلق كي أصل لقمة صوتك؟ كم درسا علي أن ألقن الكلمات كي تجيد صنع لغة تحكي عنك؟

- مدري

- مدري

- مدري

تختار أكثر كلمات الأبجدية اتساعا، و غموضا، و تمويها، أنت تعرف أشياء كثيرة.. لكنك لا تقولها.. ليس لأنك لا تريد، لكن لأنك لا تحب أن ترهق نفسك بكثرة الكلام.. تكتفي بالصمت، و بالابتسام دائما.. الابتسامة ذاتها، التي كادت تقتلني ذات صمت.. بذات الانحناءات، التي أعشقها كما أعشق مطر الشتاء..

* سلام يا أنت.. سلام.. سلام..

المَوْتُ يَمُرُّ مِنْ هُنَا

6 مايو 2008

ملحمة أسطورية، خطها عبده خال بقلبه قبل أن يخطها بقلمه.. هي تشبهه جدا.. في بؤسها، و ألمها، و إنسانيتها العميقة جدا.. التي تجعلك تتوغل كثيرا في داخلك.. و تبحث عن الإنسان فيك.. حكاية الظلم الأبدية التي نسجت منذ بدء الخليقة، حين ينصب الإنسان من نفسه إلها على البشر.. لأنه قوي و هم الضعفاء، لأنه غني و هم الفقراء، لأنه كريم و هم الأذلاء.. و لأنه غارق في السواد.. الأبشع من حكاية الظلم.. هو خنوع البشر و رضاهم به، و تعايشهم معه حتى يغدو جزءا من حياتهم اليومية.. يتنفسونه مع الهواء العفن، و يشربونه مع الماء النتن، و يتجرعونه بكل رضا و سعادة.. متنازلين عن حقهم في عيشة كريمة هانئة..

عبده خال يهدينا نتفا من حكايات ممزقة، يوقظ الموتى من قبورهم و يجلس ليسطر ما يحكونه عن آلامهم، عذاباتهم، و بؤسهم.. حتى حقيقة موتهم التي شوهها البشر بألف رواية و رواية.. تسمع فحيح الموت بين السطور، و ترى ظلمة القبور و أنت تقلب الصفحات، لأن الموت يمر من هنا.. يجب أن تراقب خطاك جيدا كي لا تتعثر به، و تسقط فيه على حين غفلة..! لأنك لو تعثرت فلن تستيقظ أبدا، سيبتلعك الموت و يغرقك في هاوية (السوادي) المظلمة.. و التي لا يخرج منها من يدخلها..

درويش، موتان، و عبدالله.. هذه الدماء الغضة التي رفضت الانصياع للظلم، و صرخت عاليا لتوقظ أهل القرية النيام بسكر تحت مظلة السوادي.. لم يسمع لهم أحد.. و نعتوهم بالجنون، أرادوا أن يذيقوهم طعم الحرية، و السعادة، و النور.. لكنهم رفضوا..! و تمادوا في تعذيبهم، و الانقياد بطاعة عمياء لأوامر السوادي، الذي نسجوا حوله أساطير كثيرة من وهم خيالهم.. كي يعظموه أكثر، و يجدوا لأنفسهم أسبابا تبرر ضعفهم و خنوعهم.!

لا يهديك عبده خال نهاية توقظ فيك فرحة غرقت في وحول البؤس و الشقاء، بل يتمادى في تعذيبك.. و النبش عن ذاتك الإنسانية.. يقتل فيك لهفتك للوصول إلى النهاية بفاجعة تتلوها فاجعة، تتسارع في نبض تستغرب فيه استعجاله.. لكنه يخبئ لك ما لا تتوقعه.. حين تموت كل القلوب المناصرة للحق، و يهرب ما تبقى منها من بطش السوادي المخلد بظلمه في قلوب البشر، تدرك حينها أن الموت لا يمر من هنا فقط،.. بل هو يولد ليعيش و يستوطن و يتوغل بجذوره عميقا في أرض تعبق برائحة الدم، و لكي تبحث عن السعادة لا بد أن تهرب من عينيه.. التي تهديك موتا في كل مرة تنسكب فيها على جسدك.. فهذه قرية موبوءة بالشقاء، لا ينبت فيها الفرح.. و لا تعرف العدالة طريقا إليها..

في حكايته هذه، يوثق عبده خال حياة قرى الجنوب، الغارقة في بؤسها/فقرها/ و جهلها.. يجسد بتفاصيله الصغيرة التي يحيك منها ثوب روايته.. أساليب الحياة في تلك البقاع المنسية من الأرض، حيث يأكلها الجوع و يلتهمها الظلم.. قرى تستند على عصا متآكلة لتنهض في وجه الأرض، ترتجي السماء قطرة ماء.. و تطلب الرحمة من سيول دفاقة تبيد كل شيء في طريقها..

بيننا ألف سوادي، و لا درويش واحد.. يقف في وجهه..

 

” يتسلل عبده خال إلى الذوات المقهورة، ينبش في أحزانها التي تكاد تغرق العالم، ليُغْرِق بها مناخات روايته “الموت يمرّ منه هنا”. لن يكون عسيراً عليك وكقارئ مسّ تلك العبارات المغرقة بالألم، وتلك الأخرى المغرقة بفلسفة الألم وبفلسفة الظلم، تعيها ذاتك، وتحرك داخلك أعاصير احتجاج، ومن ثم تنتابك مشاعر شتى وعيناك تلتهم السطور والصفحات، وتمضي مع الشخصيات التي يرسمها الروائي بدقة وببراعة وبشفافية رائعة، تمضي معها وهي تحدث عن عذاباتها، وصدى عبارات يتردد داخلك؛ نحن هكذا.. نعلم أن الظلم يعشش فوق هاماتنا فنحني له قاماتنا، صاغرين، ونسير العمر بطوله نحمل حدباتنا الكبيرة، وتبرمنا الخافت، ولا نكتشف وهن هذا الظلم إلا عندما نفرد قاماتنا على النعش حين يكون قد تلاشى فينا كل شيء .”  (من نيل و فرات)