يونيو 2008

عَلَى أَعْتَابِ سَفَر

18 يونيو 2008

أنفاسي سفر.. و حقيبتي وطن

اللّيْلَة الأَخِيْرَة

17 يونيو 2008

ترتجف بردا، وحدة، و ألما.. و لأن الطيور المرتحلة لم تعلمها يوما كيف تنسج أثواب الوداع.. كانت أثوابها دائما بالية و ممزقة، لم تُجِد يوما استقبال الوداع أو اختراع كلمات تناسب مقاسه! لذلك اكتفت في ليلتها الأخيرة بالصمت.. كان صمتها ثقيلا، و كان جفاؤه أثقل.. تدثرت بصوت أم كلثوم و هي تجيب على سؤالها..

- لن ألقاه غدا.. لن ألقاه..

تحزم أمتعتها، تكدس أغراضها في صناديق من ورق، تخبئ أيامها بين أشيائها الصغيرة و تسقيها بدمع و أمنيات، ستفتقد كل شيء هنا.. حرفه، شعره، و قصائده التي ملأت ليل غربتها الطويل.. سيتسع الفراغ بعده جدا.. سيتسع و لن تجد ما تملؤه به.! كان ضوءا يتسرب من زجاج الكلمات، كان حبرا مندلقا من بين صفحات الكتب، كان موسيقى تمضغها أبيات القصائد.. كان مطرا.. مطرا.. مطرا..

ذبل القمر، و لم يأت ليضيء ظلمة الليلة الأخيرة، كان يكتفي بالصمت ردا على كل الرسائل التائهة بدون عنوان.. كل الرسائل السابحة في الفضاء.. الباحثة عن عين تقرؤها.. انطفأت النجوم و لم يأت ليمدها بزيت يمنحها ألقا جديدا.. كان يكتفي بالبعد كي يهديها ألف شكل و شكل للوداع، استيقظت الشمس، و لم يأت ليبعث الحياة في قطرات الندى التي ماتت عطشا و هي تنتظر مجيئه..

من يخبره أن الوداع أكبر من أن نجد كلمات تكتبه، مهما نبشنا في أكوام الحروف.!

 

عُشْبُ الحِكَايَة

10 يونيو 2008

كان طفلا حين قال لها: ” احكي لي حكاية كي أنام “، أسدلت في وجه الليل ستائر عينيه، و خبأت عن النجمات ضوء بسمته، و بدأت تحكي:

” كان يا مكان.. في قديم الزمان.. و سالف العصر و الأوان.. لحتى كان………. ”

نسجت له من خيوط صوتها حكاية تشبه البحر، عن طفلة صغيرة في غابر الأزمان، عيناها نجمتان في جبين السماء.. شعرها منسكب كعتمة الليل.. بسمتها زهرة تتفتح في عمر الربيع.. قلبها أبيض كوجه القمر.. صوتها ملون كقوس المطر..

و حين أضاء الليل قناديل الحكاية، مد النوم يده و أطبق صوتها قبل أن تتفتح النوافذ.. و قبل أن تخبره كم كانت الطفلة تحب أرجوحتها، التي تحلق بها إلى السماء، تمنحها جناحين من غيم تطال بهما الفضاء.. أسدل النوم أجفانه و أبى أن يتركها تخلو بأنفاسه، أصر أن يتربص بابتسامته كي تصعد إلى السماء حيث سيلتقي حبيبته هناك.. فوق غيمة صنعتها لتجمع فيها أحلامه و أشعاره.. كانت تتمشى في عروق دمه، و تجمع بقايا حكايتها كي تصوغها عطرا يقطر في ذاكرة أيامه..

صار الليل (يلملم قلبه المجروح)، و استحالت هي غيمة تتكثف في عروق السماء.. تتبخر من زجاج نافذته لتهرب قبل أن تقطفها الشمس و هي تزرع عشب الكلام..

دغدغت خيوط الصباح أجفانه كي يفيق من سكرة الهذيان، وجد أرض غرفته مبللا بمطر تفوح منه رائحة العشب.. لملم القطرات بيده، أودعها في زجاجة، خبأها جيدا في جيوب قلبه.. كي يصنع منها خبزا يقتاته حين تجدب أرض الكلام و تذبل سنابل الحرف.. 

أَغَدًا أَلْقَاك؟

7 يونيو 2008

يتواطئ مع حضوره صوت أم كلثوم و هو ينسكب خوفا من غد.! يمتلئ به الليل كما تمتلىء حروف قصائده بأشيائهم الصغيرة.. المبعثرة بين الكلمات، و هي إذ تقرؤها، تسير متوخية الحذر خشية أن تتعثر بها.. تقتطف من كلماته وعودا معلقة كالقناديل كي تطفئ ليل النسيان.. يرحل و يترك خلفه فراغا لا تملؤه القصائد.. و لا تقوى توسلات أم كلثوم أن تسد ثقوبه.!

يخرج مبللا بالحبر من بين صفحات الروايات، يجيد إتقان الأدوار، لكنه لا يشبه سوى نفسه، يكون ما يريد.. و ما لا يريد.. هو  حتما ليس سوى مارد ورقي.. يتسلل بين ذرات الفضاء ليجعل الهواء الذي تتنفسه أكثر خفة و ارتواء.. يقطع للحزن تذاكر سفر كي يرحل، و يرسل دعوات للبكاء كي يحل.. و حين تعلن الأشياء حقها في اقتسامه، يمنحها يده و يرحل.. تاركا خلفه كل الرمال و العواصف تعبث بصوتها و هي تسأل: أغدا تشرق أضواؤك في ليل عيوني؟

تتسكع فوق رصيف الوقت ذهابا و إيابا بانتظار ليل يسدله مع العتمة، و حين يأتي، يمنحها رشفة من فرح تتذوقها، ثم يختطف الكأس و يكمل ارتحاله في طرقات الليل، لا ينسكب خارج الوقت إلا حين تهتك الشمس ستر المساء.. فترتقب ليلا جديدا يخرج به من بين عتبات الورق.. يمنحها فيه مزيدا من القبعات و معاطف المطر، و قصائد تسهر في أمسيات غيابه لتحرس أجفانها، و تلملم شعرها كذكرى ضائعة بين السنين.. كأنه بحر، كأنه ليل، كأنه غيم..

لا يمنحها من الوقت إلا ما يكفي لتسأله: أغدا ألقاك؟ يفرد أمامها حروف أجوبته و يرحل، تتثاءب الثواني كسلا و تخرج عقارب الوقت ألسنتها ساخرة: سيأتي غدا، و ستسأله: أغدا ألقاك.. سيفرد حروف أجوبته من جديد و يرحل.!

نُكِّسَت أَعْلامُنَا

3 يونيو 2008

” يوم شفتهم ينكسون العلم، قلبي عورني.!! “

هذا ما استطعت قوله.. ربما لأختصر مساحة حزن تسكنني مذ سمعت النبأ، تنكيس الأعلام.. هذا المشهد الحاضر في ذاكرة وطني ليذكره بكل حدث جلل هز أركان هدوئه..

حين استيقظت صباحا، لم أكن أعرف أن نبأ ما ينتظرني عند باب غرفتي، و ما أن خرجت حتى استقبلني بنبرة هادئة و هامسة،  تحمل الموت في جنباتها، الشيخ ناصر.! تذكرت صورته سريعا، ابتسامته، نادي العين، اسماعيل مطر، هدف يساوي مليون درهم… نعم، هو الشيخ ناصر - رحمه الله -، كنت بحاجة لأقرأ الخبر كي أتيقن منه.. ما عدت أثق بالأنباء التي تتناقلها الأفواه، لكن حتى بعد قراءتي للخبر في موقع وكالة الأنباء.. كان شيء ما في داخلي يرفض التصديق.. تخيلت الطائرة و مياه الخليج تبتلعها.. لم ظل البحر غادرا حتى هذا اليوم؟

منظر تنكيس العلم في السارية المرتفعة عند مدخل الكلية هو ما جعل حزني ينمو سريعا ليؤتي أكله دمعا يتسلل خفية من بين أهدابي، عدت سريعا طفلة تقف بمريولها الأخضر في الطابور الصباحي لتشهد علما منكسا يتوسط ساحة المدرسة، لم نرفع أصواتنا يومها بالنشيد الوطني، و لم تذع فقرات الإذاعة الصباحية كالمعتاد، كنا نقف بصمت أمام علم منكس، نرتل آيات من القرآن، و العيون تبكي رحيل الشيخ راشد آل مكتوم - رحمه الله -، كان ذلك أول يوم أعرف فيه معنى أن يحزن الوطن لرحيل أب أسس لبناته.. و كلما تغنيت بتلك القصيدة التي كتبها مانع سعيد العتيبة أتذكر ذلك الصباح…

منظر تنكيس العلم، و حزن ينتشر كالضباب الكثيف في الهواء، ليتسلل كالعدوى سريعا إلى رئتنا، يتنفسه كل من يسكن هذه الأرض، حزن لم ينس صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة، مواطنا أو وافدا.. حزن تسرب إلى ليالي رمضان النقية، ليجبرنا على سكب دموع حارقة، و ابتلاع غصة خانقة، و التحديق بذهول في كل ما حولنا، كيف سنعيش على هذه الأرض بعد أن تركها زايد و رحل؟ هكذا كنت أفكر.. زايد الذي كنا نتنفسه كالهواء منذ أول يوم ولدنا فيه… زايد الذي كان ماء يروي ظمأ عروقنا.. زايد الذي جعل لحياتنا معنى آخر… كيف سيكبر أطفالي دون أن يكون زايد شجرة تظلل أيامهم؟ نكس العلم يوم رحيله.. و ظل منكسا أياما ليجرعني الحزن كلما رأيته..

منظر تنكيس العلم، و ابن زايد يرحل، يحفر في قلوبنا حزنا جديدا، نتذكر ابتسامته دائما.. و آثارا كثيرا خلفها من بعده…اللهم اغفر له و ارحمه و اسكنه فسيح جناتك..

صُوْرَةٌ نَاقِصَة

2 يونيو 2008

كنت قد أنهيت قراءة كتابه للتو، و بينما أنا أتجول في موقعه تعثرت بخبر زيارته للجامعة في اليوم التالي لتوقيع كتابه (للحزن خمسة أصابع) إضافة إلى عرض أحد الأفلام التلفزيونية التي قام بكتابة نصها، كانت الفرحة لا تسعني و أنا أقرأ الخبر في الوقت المناسب جدا.. و في اليوم التالي، حين تمكنت من معرفة المكان و الوقت الذي سيتم فيه عرض الفيلم توجهت وحدي، فلم أجد فيمن حولي من هو مهتم بالأشياء ذاتها التي أهتم بها.. كان الحضور بالنسبة لي مهما جدا، ربما أردت أن أتغلب على خوفي و ترددي الذي جعلاني أضيع الكثير من الفرص، هذه المرة سأغتنم الفرصة و لن أفرط بها أبدا..

مبنى الأنشطة الطلابية، الطابق الأول، قاعة السينما.. هذا هو العنوان الذي حصلت عليه، حين ولجت القاعة كانت أستاذة أجنبية تتحدث بلكنة عربية مضحكة تقف عند الباب، و تطلب من طالباتها التوقيع على ورقة الحضور.. ابتسمت لها و اتخذت لي مقعدا في الصف الثاني، أردت أن أكون قريبة من الشاشة.. لمحت الأستاذ (محمد حسن أحمد) يدخل الباب، تعرفت عليه من الصور في موقعه بملامحه الهادئة، كانت الفرحة لا تسعني و كنت متشوقة لبدء عرض الفيلم، أخذت أقلب في نسختي التي قرأتها و ملأتها بالخطوط و الملاحظات.. لم أكن أعرف شيئا عن الفيلم، كان حضوري فقط كي أقف أمام الكاتب و أخبره كم أحببت الكتاب..

حين بدأ عرض الفيلم نسيت تماما كل ما حولي، و غرقت عميقا في صوت خديجة الكفيفة و هي تروي كل ما تراه حولها بطريقتها الخاصة، كان ذلك النوع من الأفلام الإنسانية العميقة التي تتغلغل في دواخلنا لتلامس أحاسيسنا و تحرك عاطفتنا.. كل شيء كان يجعلني أحبه أكثر، النص الذي كتب بطريقة رائعة، الأحداث الواقعية البعيدة جدا عن مبالغات الدراما التلفزيونية التي اعتدناها في المسلسلات الخليجية، التصوير الاحترافي و الإخراج المتقن، الموسيقى التي تفتح لك بابا تعبر فيه إلى أحداث القصة، و الشخصيات التي تشبهنا كثيرا..

للحظة تنبهت أن الكاتب يجلس في الصف الأمامي، لا أدري لم خطر ببالي أن أراقبه و هو يشاهد الفيلم الذي كتبه و قد بات شيئا ملموسا.. كان يتابعه باهتمام و حب، و كأنه يشاهده للمرة الأولى، يبتسم حين تنطلق ضحكة الطالبات في القاعة على مشهد مضحك،  و يعبث أحيانا بسبحته ذات الخرزات السوداء، أو بهاتفه النقال الذي كانت شاشته تضيء بين وقت و آخر أو يرتشف من كأس العصير الذي وضع أمامه، كنت أفكر.. كيف يكون شعوره و هو يرى مشروعه/طفله و قد لاقى كل هذا النجاح و القبول؟ تمنيت لو أسأله هذا السؤال.. لكني فيما بعد نسيت مراقبته و أنا أعيش مع الفيلم كل لحظاته.. أذكر أني بكيت تأثرا، ليس لأن الفيلم حزين جدا، بل على العكس تماما.. فهو رغم رسالته التي تلامس واقعنا جدا، إلا أنه استطاع أن يجعله مرحا و مضحكا بطريقة ما… لكنه الصدق الذي لمسته في الفيلم، هذا الصدق الذي أفتقده كثيرا في كل ما يعرض على شاشاتنا..

بعد انتهاء الفيلم جرى نقاش مع الكاتب حول هذا الفيلم بشكل خاص و صناعة السينما الإماراتية بشكل عام، و لا أبالغ إن قلت بأني كنت فخورة جدا و أنا أستمع له، أفكاره المتميزة و حضوره الرائع، طموحه، رغبته في صناعة المختلف و المميز، إصراره على نقل الواقع بكل تفاصيله، و استقلاليته في صنع بصمة تميز أعماله، كان يتحدث بتفاؤل عن الأعمال الشابة التي بدأت ترى النور.. و التي ستتمكن في السنوات القادمة من إيجاد أرضية صلبة تقف عليها صناعة السينما في الإمارات، لسنا بحاجة للكثير من أفلام الرعب و المغامرات و الأكشن.!! يكفينا جدا أفلام تلامس واقعنا و تحكي همومنا كي توصل أصواتنا للفضاء.. ليس لأننا أشخاص عاطفيون و نحب كل ما هو عاطفي و حزين، بل لأن الأعمال الإنسانية وحدها هي الخالدة.. وحدها القادرة على إحداث تغيير..

من بين الحضور، كانت هناك طالبة كفيفة.. أصرت على الحضور رغم أنها لا تبصر.!! لكنها قالت: “شاهدت الفيلم بصوت خديجة و هي تروي كل ما تلمسه/تسمعه/تحس به..”، لم تكن بحاجة لعينين كي ترى، فهؤلاء يبصرون بقلوبهم و ربما يمنحون التفاصيل الصغيرة أهمية أكبر مما نمنحها نحن القادرون على رؤية كل شيء دون أن نلتفت كثيرا لما حولنا.. رأيت الفرحة تطل من عيني الكاتب و هو يسمع رأيها، أحسست أنه في تلك اللحظة كان واثقا جدا أن رسالته قد وصلت.. فأي شيء أجمل من أن يقول له كفيف أني رأيت أحداث الفيلم.!!

كانت نسخ الكتاب تنتظر على الطاولة، و رغم أني أحضرت نسختي الخاصة، إلا أني  كنت طماعة جدا و اشتريت ثلاثة نسخ إضافية، اثنتان منهما بتوصية، و الثالثة كي أهديها لأي شخص يستحقها.. حين وقفت أمام الكاتب لأمد له كتابي، كان قلبي يخفق بقوة.. لم يسبق لي أن تحدثت بصوت عال في حضرة كاتب، لكني بذلت جهدا مضاعفا كي أتغلب على خوفي و أتمكن من سكب صوتي أمامه، مددت له كتابي و قلت له: “أستاذ محمد، قرأت كتابك.. كان جميلا جدا”.. كنت أعرف أن الوقت لن يكون كافيا لأخبره برأيي، فخمسون نسخة أخرى تنتظر الحصول على توقيعه، ابتسم لي و سألني: “حقا؟ هذا رائع”.. مددت له ورقة بيضاء لطخ بياضها بحبر أسود يحمل حروفي التي كتبتها عن كتابه، قلت له: ” حين أقرأ كتابا ما و يعجبني، أحب أن أكتب عنه.. أتمنى أن تقرأ رأيي في كتابك”.. أخذ الورقة و تابع التوقيع على النسخ الثلاث المتبقية..

خرجت و أنا أقفز فرحا.. ليس لأني حصلت على توقيعه فقط، لكن لأني تمكنت من انتهاز هذه الفرصة التي منحتني أكثر بكثير مما توقعته.. الآن أستطيع أن أقول و بكل ثقة.. كم أنا فخورة بابن بلادي..

* موقع الكاتب: http://alwjh.net/