يوليو 2008

اعْتِيَادي عَلَى غِيَابِكَ صَعْب

29 يوليو 2008

هكذا يغدو الغياب كتجويف في جدار الزمن، يمتص ماء الحياة.. و يتبخر عبره الهواء.. يتجمد كل شيء في لحظات الغياب، و يصبح الوقت لاهثا لفرط ما هو عاجز عن تحريك دفة الحياة، هكذا يتشكل الغياب، كأمطار سوداء تتكثف عند سقف السماء.. تلطخ زرقتها بسحب رمادية موحشة، و تغتال البياض حين تنسكب كدماء تعفنت في جوف الأرض.. هكذا يأكلنا الغياب، يمضغنا في عتمة القلق حتى ينطفئ الليل.. لا يأتي حضورهم ليسقي جذوته بزيت يوقظ فيه الحياة..

يغيبون، و يمنحونا وعودا بحب يدوم إلى الأبد.. لم لا يعترفون أنه نبتة ستبدأ في الذبول سريعا حال رحيلهم؟ لم يطلقون وعودهم و هم يعرفون أن حضورهم هو الماء الذي يسقيها، فإذا ما غابوا نمت هزيلة بجذع خاو و أوراق ذاوية.. حتى حين يعودون، يتغير كل شيء فيهم، صوتهم، قلبهم، نظرة عيونهم، و حروفهم.. يأتون و هم يمنون أنفسهم بشجرة وارفة تنتظرهم.. لم يجب أن يبقى الحب كما هو رغم أن كل شيء حوله يتغير؟

أفكر… هل لا زالوا رائعين كما كانوا، يوم تركونا في آخر وداع؟ و لِمَ نظل ننتظر أن يجيئوا محملين بالحب ذاته.. الذي ارتوينا منه حد الثمالة؟ رغم أن الأيام غيرتنا كثيرا، سلبت منا جمالا كانوا يتغنون به.. و الآن، ما عدنا نحن.. فلماذا حين نفكر بهم، نرسمهم كما كانوا؟ أخشى أن نرتجف دهشة حين يعودون.. كما ترتجف الأم دهشة حين ترى ابنها الذي ارتحل سنوات في أرض الغربة، و حين عاد.. بالكاد تتعرف إليه، يمد إليها يدا باردة.. يصافحها و يمضي بابتسامة ساخرة، تبكي حين تكتشف أن ابنها عاد.. بقلب ميت.!!

مَارِدُ المِصْبَاح

22 يوليو 2008

أمضت نصف ساعة و هي تبحث عن موقف لسيارتها، كانت المواقف مزدحمة جدا.. و كأن البشر لم يجدوا أي تسلية أخرى في هذا اليوم سوى التوجه لمول الإمارات.!! حين عثرت على موقف أخيرا في الطابق العلوي، دخلت بتأفف فقد تركت السيارة تكتوي بأشعة الشمس.. كانت تتسكع أمام الواجهات الزجاجية المزركشة بعروض التنزيلات، بينما يقطع تذكرته لدخول الفيلم.. و حين اختنقت بالزحام و قررت أن تغادر المول.. أضيئت أنوار الصالة معلنة نهاية الفيلم.. ” كان فيلما جيدا” قال لنفسه و خرج ليتنفس هواء دبي من جديد، كان بحاجة ليوم واحد فقط و يجد نفسه.. يوم واحد و يجد وطن أشعاره الضائع، يوم واحد يستنشق فيه ملوحة البحر.. و دخان السيارات.. و شمس الصيف القائظة.. يوم واحد فقط..

في اليوم التالي أوقفت سيارتها في المواقف المظللة أمام ردهة بلاد الصين، بينما اختار موقفه في المنطقة غير المظللة.. خططت لمشاهدة الفيلم، وقف هو أمام عروض الأفلام.. لن يدخل السينما اليوم، كان الفيلم بالأمس جيدا، قطعت تذكرتها و مضت تمضغ الوقت حتى يحين وقت عرض الفيلم.. شاهدت المهرجين يعبرون بوجوههم الملونة و سيقانهم الطويلة المتمايلة على أنغام آلاتهم الموسيقية الضخمة، كان هو مستمتعا جدا بعرضهم لدرجة أنه بات يلاحقهم كالأطفال.. بجانب الفيل الضخم في ردهة بلاد الهند جلست على مقعد جلدي أسود تنظر إليهم و هم يعبرون.. و حشد من الناس يتبعهم، كان يتبعهم..  نظرت إلى الساعة، بقي على بدء الفيلم دقيقتان.. توجهت إلى السينما بينما سلك هو الطريق ذاته باتجاه مطعم تايلندي..حين أضيئت أنوار الصالة معلنة نهاية الفيلم.. فكرت:” كان فيلما جيدا”، دخلت المقهى المجاور، ابتاعت دونات بالشيكولاتة و فرابتشينو بالكراميل، بينما كان يرتشف قهوة ساخنة على الطاولة في الزاوية..

ليست بحاجة لشراء شيء، كما أن عروض التنزيلات تصيبها بالغثيان، يخنقها الزحام، و تغيظها الأرفف المبعثرة بفوضى، و يتجاهلها الباعة.. فقط لأنها جاءت تشتري في موسم التنزيلات.!! يمكنها أن تؤجل كل شيء لما بعد موسم التنزيلات، في كل الأحوال لن تجد المقاسات التي تريدها.. عادت من جديد لبلاد الصين، تتأمل السفينة الضخمة التي تتوسط الردهة، جربت أن تدخل الفجوة التي أحدثوها في هيكلها الخشبي، لم تفعل ذلك من قبل.. تلمست الجدران، كأنها تسمع صوت أمواج حقيقية..

كان يجلس على طاولته في زاوية المقهى، يتأمل الشراع.. و لوحة تتدلى من السقف تحمل صورة لعباس بن فرناس، هل نحن بحاجة للطيران دائما كي نتمكن من تحقيق أمانينا؟ ألا يمكن لمدن خارقة كدبي أن تمنحنا ما نفكر به.. نحن بحاجة فقط لننفخ المصباح..نغمض أعيننا و نتمنى، حين فتح عينيه.. خُيّل إليه أنه رأى طيفا يشبهها، هز رأسه.. لا يمكن أن تكون هنا.. ليس في ذات الزمان و المكان، لا يمكن أن تكون دبي سخية لهذه الدرجة.. تناول مفاتيحه من فوق الطاولة و توجه لسيارته..

صَبَاحِي أَنْت

10 يوليو 2008

مختلفة تلك الصباحات التي توقظك باكرا جدا، على غير العادة.. و يرفض فيها السرير استقبالك مجددا.. تفكر بما يمكنك فعله في مثل هذا الوقت..! كل هذه الساعات المتراكمة بين يديك..! لا شيء.. سوى التسكع في أرجاء البيت الكبير و الخالي.. الكل نيام.. لا أحد سوى سمكة صغيرة ذهبية اللون تكتشف عالمها الصغير داخل حوض زجاجي مقعر.. في جولتك الأولى تطفئ الأنوار في أرجاء البيت.. و في الجولة الثانية تفتح الستائر و  تمنح الشمس إذنا بالدخول..

حين تهم ببدء الجولة الثالثة تطالعك عينا الخادمة الضيقة و المسحوبة و هي تنظر لك بدهشة.!! لم تعتد وجهك مستيقظا مع استيقاظ الشمس من قبل.!! تتجاهلها و تقف أمام الواجهة الزجاجية المطلة على البحر، هو أيضا يبدو وادعا جدا.. و هادئا.. لم يستيقظ بعد.. يتعالى صوت آلة التنظيف، ثم رائحة الصابون تفوح و هي تمسح الأرضيات.. تصفق أختك الكبرى الباب بقوة و هي تخرج على عجل لتصل عملها في الوقت المحدد، تطالعك بذات الدهشة.! تلقي سؤالها و تسرع بالخروح قبل أن تسمع منك الجواب.. تحمل جهازك و تهبط إلى الدور السفلي.. وحده يجلس على طاولة الإفطار.. يتناول طعامه ببطء و تأني.. تجلس إلى جواره، تصب كوبا من الشاي و تتذمر من ضعف تغطية الشبكة في الطابق العلوي، يشير إلى أكواب الكعك المزين بالشيكولاتة: هذا لذيذ.. من صنعه؟

- أنا - تجيب و نشوة تتربع على صدرك من ثنائه، هذا الأخ يحب الحلوى جدا- لم لا زلت هنا؟ متى يبدأ عملك؟

- الساعة ثمانية و نص..

وحدك عاطل عن العمل، عاطل عن الحياة، عاطل عن السعادة.. و الأيام تمضي بهم جميعا، وحدك تقف هنا بانتظار فرصة تأتي لاقتناصك.. و صمت يحيط بك، يجعلك عاجزا عن الحركة.. عاجز عن بدء الخطوة الأولى.. صمت ممتد كامتداد هذا البحر.. حين يستيقظ والدك، يطالعك بذات الدهشة.. يصمت طويلا و هو يحاول تعرف ملامح الكائن الجالس في أقصى الصالة و المختبئ خلف شاشة الجهاز.. تبادره:

- صباح الخير

يبتسم، و يسألك: ما الذي أيقظك باكرا هكذا؟

هو أيضا يكمل طريقة قبل أن يسمتع لجوابك.. لم يطرح الناس أسئلة لا يملكون الوقت لسماع أجوبتها؟

لم تدرك من قبل كم يبدو وجودك غريبا في مثل هذا الوقت.. تتمنى الذهاب للبحر، السير فوق رماله الناعمة.. استنشاق رائحته المالحة.. لكنك تغير رأيك حين تفكر بالرطوبة في الخارج، و الحر.!! تتمنى أن تغمض عينيك لتجد نفسك في قاعة سينما.. تشاهد فيلما لجوليا روبرتس التي تجعلك تبتسم مرغما بابتسامتها الجميلة.!

تعود لغرفتك حين تقترب عقارب الساعة من العاشرة صباحا.. تفكر، ربما حان وقت النوم.. تنسى كل الأشياء التي خططت لها، و تنام.. تنام.. سريرك يكون سعيدا بك جدا هذه المرة..!

قَيْد

3 يوليو 2008

يحاصرني صمت لا أقوى الفكاك منه،،

 أنى لي بدمعة تحررني؟