سبتمبر 2008

مَخْبَز الوَرْدَة الذّهَبِيّة

26 سبتمبر 2008

على مائدة السحور، جلست مع والدي.. كنت أغالب نعاسي و أرتشف من كوب الشاي بالحليب، أبتسم و أنا أتذكر تلك العبارة ” أي مزاج رايق يجعلك تشربين شاي حليب على السحور.! “، أتأمل الألوان التي اختارها كل مخبز لأكياس الخبز و البقصم و الرقاق.. حين تذكرت هذا الاسم فجأة، و كأنه طيف حلم كان يسكن أيامنا زمنا ” مخبز الوردة الذهبية”..
كان أبي يحب خوض مشاريع تجارية صغيرة، لكنه لم يكن يملك الصبر الكافي ليكمل مشروعه حتى النهاية.. تتراءى لي أطياف ذكرى السوبرماركت الذي امتلكه في طفولتي الأولى، كان أول محل في المبنى الأول من السوق على الجانب الأيمن من شارع القرية.. أذكر جيدا رائحته، برادات الحليب و العصير، أرفف المواد المعلبة، و صناديق الخضروات و الفواكه.. لم يكن سوى محل صغير، لكنه في قريتنا النائية كان سوبرماركات بمواصفات جيدة جدا.. كنا ننهي واجباتنا سريعا كي نركب سيارة أبي في المساء و نذهب معه إلى السوبرماركت، حيث يجلس على مقعده خلف الطاولة الخشبية و يراقب سير العمل.. بينما نقضي وقتنا بالتجول و اللعب بين الأرفف..
لا أذكر كيف انتهى ذلك المشروع، لكنه لم يدم طويلا، و بعد وقت ليس بالقصير شاهدت خياطا يحمل اسم أبي على الجانب الآخر من السوق.. أظن أن التصريح فقط كان باسم والدي أما الخياط فكان يملكه هندي لا أتذكر ملامحه أبدا..كان خياطا فاشلا و لم تكن امي تاخذ ثيابنا ليخيطها عنده، بل تفضل عليه خياط حمزة صاحب اليد الماهرة و السمعة الجيدة..
حين خطرت فكرة المشروع الجديد على بال والدي، اعتبرتها عبقرية فذة.. و في تلك اللحظة فقط دهشت، كيف لم يفكر أحد بها من قبل.. كانت القرية و لسنوات طويلة تستورد الخبز و منتجاته من مخبز الرويس الأتوماتيكي، الواقع على بعد 100 كيلو متر، في مدينة الرويس التي وضع على مدخلها لافتة تقول أنها ” عروس الصحراء”، و كانت كذلك بالفعل.. لأنها تابعة لشركة البترول و التي بنتها على الطراز الأوروبي.. كانت مدينة صغيرة تحيط بها الأشجار من جميع أطرافها و تتوفر فيها كل مرافق الرفاهية من مطاعم و نوادي و حدائق و بحيرات يسبح فيها البط.. و مخبز..!
كان المشروع شراكة بين والدي، جارنا عيسى الملاصق لبيتنا تماما، و جارنا سلطان في الجهة الاخرى، هي علاقة قرابة و صداقة قديمة و ليست مجرد جيرة، و كان هذا كافيا لنجاح أولي للمشروع، استأجروا ثاني محل في مباني السوق على الجانب الأيسر، أنهوا عمل ديكورات المحل كي تتناسب مع مسمى مخبز، و لا أدري كيف اختاروا الاسم.. لكني أذكر جيدا قطعة القماش البيضاء التي كتب عليها اسم المحل ليتم تعليقها ريثما تنتهي اللوحة المضاءة، و لم أكن قد رأيت لوحة حقيقية عن قرب قبل تلك المرة.. و للأكياس اختاروا حبرا بلون ذهبي ليطبع اسم المحل بشكل دائري تحيط به سنبلتان، كان ذلك أكثر أناقة من أكياس مخبز الرويس ذات الحبر الأزرق التي رسم عليها خباز يضع قبعة طباخ و يحمل بيده رغيف خبز..
في اليوم المقرر للافتتاح كان كل شيء جاهزا، سوى عامل الحلويات الذي لم يكن قد وصل بعد.. و قد اقترحت شقيقتي الكبرى أن تقوم بصنع عدة قوالب حلوى لتباع في اليوم الذي كانت تترقبه القرية بأسرها.. كانت مولعة بصناعة قوالب الكيك و أظن أن معلمة التربية الأسرية كانت تفخر بها لمهارتها في ذلك.. كنت أتولى دائما خفق كميات كبيرة من البيض حتى يصبح ذا رغوة مناسبة لعمل الكيك الإسفنجي، في ذلك اليوم صنعنا عددا كبيرا من قوالب الكيك، زيناه بالكريمة البيضاء، حبات الكرز المسكر، شرائح اللوز المحمص و الحلوى الملونة الخاصة بتزيين الكيك، في تلك الفترة ابتكرت أختي طريقة لصناعة وردات تشبه ما نراه على قوالب الكيك الجاهز، كانت عجينة متماسكة من السكر و الماء و النشا، و مادة ملونة.. كنا نشكلها شرائح متساوية ثم نلفها لتكون وردة جوري حمراء مذهلة.. ذات أوراق خضراء.. كان أبي سعيدا بقوالب الكيك الأنيقة و كنت سعيدة بافتتاح مخبز خاص بقريتنا أخيرا.. بعد كل تلك السنوات التي كنا فيها مضطرين لشراء خبزنا من مخبز الرويس الأتوماتيكي..
منذ الأيام الأولى كان الفرق في الجودة واضحا، فمخبزنا كان يدويا و كان خبزه أفضل بكثير، استطاع المخبز في فترة وجيزة أن يوقع عقوده مع كل المحلات و المدارس ليورد لها الخبز اللازم، كانت أبلة ماجدة مشرفة المقصف تناولني مفتاح المقصف قبل نهاية الحصة الثالثة لأستقبل عامل المخبز الذي يحمل صناديق صفراء تفوح منها رائحة السندويشات الشهية.. أرتبها في مكانها أمام النافذة ذات السياج الحديدي و أقف بانتظار أن يقرع الجرس لتمتد عشرات الأيادي من بين فتحات السياج تطلب حصتها من السندويش.. كنت أشعر بالغبطة حين أسمع أبلة ماجدة تثني على سندويشات المخبز الجديد و تقول أنها أفضل بكثير من المخبز السابق.. كانت محقة في ذلك، ففي عهود ماضية كنا نضطر لشراء سندويشات الفلافل الباردة ذات الخبز الجاف و الذي نجد صعوبة بالغة في مضغه، أما سندويشات الزعتر فلم أجازف يوما بشرائها لكثرة ما سمعت عن بقايا أظافر و أرجل صراصير وجدت فيها، كنت أفضل أن احمل سندويشاتي من البيت و أكتفي بشراء عصير بارد من مقصف المدرسة..
أما حين أصبح مخبز الوردة الذهبية هو المسؤول عن صناعة السندويشات للمدرسة كنا نجد فيها مذاقا مختلفا، و كانت تصل ساخنة أحيانا.. لم تكن مجرد شريحة خبز تلتف حول حبات الفلافل، بل أصبحنا نرى لون الطماطم الأحمر و نذوق طعام الشيبس و الخس بداخلها، مناقيش الزعتر كانت لذيذة و لا زلت أحن لمذاقها حتى اليوم، و أصبحنا فيما بعد نبيع كرواسان الجبن و الزعتر في مقصف المدرسة.. و كانت تلك سابقة لا مثيل لها..
ذات فسحة، حين كنت أسير مع مريم في الملعب، سالتني إن كانت تستطيع الحصول على عنوان بريد والدي، كان ذلك قبل الإجازة الصيفية، قالت لي: ” سأكتب لك في العطلة”.. كان بيدي كيس الكراوسان البلاستيكي و خطرت ببالي فكرة، حين عدنا للصف ناولتها الكيس و قلت لها: “هذا هو عنوان بريد أبي”، أذكر أنها غضبت مني جدا و اعتبرت ما فعلته إهانة.. لأني سخرت منها، لكني كنت أضحك و أشرت لأرقام صندوق البريد المدونة باللون الذهبي تحت اسم المخبز: “صدقيني، هذا هو العنوان”.. لم تقتنع أبدا حتى أخبرتها أن أبي هو صاحب المخبز بالشراكة، لا أدري إن كانت تحتفظ بكيس الكرواسان حتى اليوم.. لكن رسائلها لي كانت أول رسائل أتلقاها بالبريد و كان في ذلك متعة حقيقية.. و فيما بعد، حين تخلى والدي عن حصته من المشروع استمرت مظاريف مغلقة تحمل اسم المخبز تصل إلى صندوق بريد والدي الذي كان يجمعها و يسلمها لعيسى..
عشت مع والدي الكثير من تفاصيل عمله في المخبز، كان يضطر لأخذي إلى أبوظبي بين وقت و آخر لكثرة مواعيدي و مراجعاتي في العيادات الطبية.. و كنت حينها أرافقه في مشاويره المختلفة لشراء مستلزمات المخبز من الدقيق و السكر و خميرة الحلويات و أدوات العجن، أذكر أنه أوقف السيارة ذات ظهيرة في مواقف مصنع الدقيق الواقع في ميناء أبوظبي، كنت أراقب الدخان المتصاعد من أنابيب المصنع و أتمنى لو أستطيع الدخول و مراقبة عملية تغليف الدقيق، في تلك الأيام اكتشفت الكثير من الأماكن التي لم أعرف بوجودها من قبل، كنا نقف خلف مستودعات الدقيق حيث يحمل العمال أكياس الدقيق و السكر إلى السيارة، كما رافقته حين ذهب لشراء آلة للعجن، كنت أجلس في السيارة و أراقبه من بعيد.. و أحيانا حين يتاخر، أتشاغل بقراءة كتاب التربية الوطنية أو التاريخ استعدادا لامتحان الغد..
لم احظ أبدا بفرصة دخول المخبز و الوقوف أمام الطاولة الزجاجية لاختيار ما أشاء من الحلويات، و كم تمنيت لو كنت في عمر أصغر كي أرافق والدي كما كانت تفعل شقيقتي الصغرى.. آخر العنقود، و لم يكن عمري مناسبا كذلك لأقف أمام باص الخبز و أشتري منه ما أشاء، كان ذلك الزمن قد ولى.. و كانت أمي ترسل ابنة خالتي الصغيرة بدراهم معدودة لشراء الخبز، لكنها كانت تتأخر أحيانا و لا تعود إلا بعد ساعة أو أكثر، و حين تسألها أمي عن كيس الخبز: تقول أنها نسيت شراءه.! و الدراهم؟ أوووه اشترت بها فطائر و شعبيات لها.! و كان أبي يضطر ليرسل سائق المخبز بالخبز الذي نحتاجه للعشاء..
بعد سنوات من افتتاح المشروع، يبدو أن الملل بدأ يتسرب إلى أصحابه، فباع سلطان حصته من المخبز لعيسى و كانت المشاكل تزداد كل يوم.. حتى ما عاد أبي قادرا على مواصلة إدارة العمل فيه، و حين تقاعد و قرر الانتقال للعمل في أبوظبي باع حصته هو الآخر لعيسى الذي أجره فيما بعد.. لا أدري إن كان المخبز لا يزال يحمل الاسم ذاته، لكن لا أظن أن مخبزا آخر افتتح في قريتنا منذ تركناها قبل خمس سنوات أو يزيد..

مَحَطّةٌ أَخِيْرَة

17 سبتمبر 2008

رسالتها الأخيرة وصلته و هو على أعتاب سفر، تأبطها.. حمل حقيبته و يمم شطر السماء، ما أن اجتاز الزحام في مدخل المطار حتى أحس بآلام المخاض، كانت قصيدة ما على وشك الولادة، و كان يظن أن العقم أصاب قلبه.. أنهى إجراءاته سريعا و اتخذ مقعدا في مقهى ما.. قد لا يتذكر اسمه في وقت لاحق، طلب من النادل فنجان قهوة و قلما، نظر إليه النادل بعينان تفيضان دهشة.. كان على وشك أن يقول: “سيدي لا نقدم أقلاما هنا”، لكنه تراجع حين اكتشف أنه لن يحتاجه لأخذ المزيد من الطلبات.. فهو الزبون الوحيد في المكان.. ناوله قلمه و مضى..

وضع كل شيء في مكانه، الحقيبة إلى جوار المقعد، الرسالة و التذكرة على الطاولة، و أذاب قلبه في فنجان القهوة.. كان يحركه بالملعقة حتى تلاشى بخاره المتصاعد.. فكر بكل شيء.. الحقيبة، السفر، المطار، المسافرون، المودعون، الأيدي الملوحة، الوجوه المتجهمة، القلوب المتلهفة، الانتظار الواقف أمام الواجهات الزجاجية.. كل شيء قادر على ممارسة الانتظار في هذه اللحظة، لن تقلع الطائرة دونه.. و لن يعطي الكابتن إرشاداته قبل أن يستقر في مقعده.. لن تبتسم المضيفات للمسافرين إن لم يكن وجهه بينهم.. لن ترتحل الأوطان في مؤخرات الطائرات.. وحدها القصيدة لا تحتمل الانتظار..!

المقهى الذي اختاره كان يحمل لافتة ضخمة ” Second cup “، لِمَ لمْ يكن الفنجان الأول.. أو الثالث.. أو الأخير؟ لم هو الثاني بالذات، كان يريد أن يسأل النادل.. لكنه فكر، الثاني يحتفظ بطعم استثنائي دائما.. لا يحمل دهشة الأول، و لا رتابة الثالث، و لا وجع الأخير.. الثاني هو أجمل ما يمكن أن تجود به اللحظات، لا يمكن أن نقاوم طلب فنجان ثان أبدا.. أشار للنادل و طلب فنجانا ثانيا، كانت بعض بقايا القلب مترسبة في قاع الفنجان..

قلب التذكرة و بدأ ينزف قصيدته، كانت مكتلمة جدا حال الولادة، و كان منتشيا بها جدا.. حتى أن الغرور الذي أصابه أنساه أشهر الجدب التي مرت عليه، على ظهر التذكرة كانت تنام القصيدة مختالة، تمد لسانها لكل التفاصيل الأخرى.. المنسية لفرط وجودها، تذكر حقيبته التي ضاعت منه ذات سفر، هل لا زالت تسكن أروقة المطار مشردة تائهة؟ أم أنها وجدت تأشيرة دخول تمنحها الإذن لتلحق بأي طائرة شاءت؟ تلك الرحلة أخذت منه حقيبته.. عطره، دفتر أشعاره و كتابا رافقه في سفره.. نسي أنه في ذات الرحلة التقاها، كانت تتأهب لسفر هي الأخرى و كانت تحمل الكتاب ذاته، حين خرج من باب المطار.. كان مسافرا بلا حقيبة، و كان كتابها في يده..

-          Check please

ناوله النادل الفاتورة، وضع الأوراق النقدية و القلم.. حمل تذكرته و الحقيبة و مضى، الرسالة المغلفة في ظرف أنيق كانت تحاول أن تثير انتباهه، لكن القصيدة على ظهر التذكرة كانت تضحك، الحقيبة همست:

-          لا بد أن يقدمك قربانا هذه  المرة..

 

 

 

جَارُنَا الّذِي كَاْن

15 سبتمبر 2008

كان أبي يتحدث بالهاتف، حين سمعته ينطق باسمه، ظننت الأمر خطأ ما.. اسمه الذي لم أسمع به منذ سنوات طويلة.. كيف يسقط في هذه الجملة المعلقة بطرف الموت؟ أمي هزت رأسها إيجابا، و ظللت أهش دهشتي لدقائق.. جارنا الذي كان، قبل عشرون سنة أو يزيد.. ما عاد..!

أذكر جيدا جسده الضخم، لحيته الكثيفة، بشرته الوردية و جلده الأبرص ببقع كانت تخيفني في زمن ما، أذكر استدارة وجه أمه.. عيناها الصغيراتان.. و جسدها القوي، أذكر وجه زوجته النحيف.. صوتها المبحوح و قامتها القصيرة، أذكر أبناءه الثلاث بأسمائهم التي لم تخني ذاكرتي في الاحتفاظ بها.. لعبنا معهم بأرجل حافية في (السكة) التي تفصل جدارنا عن جدارهم، أذكر أرنبهم الذي لم أر مثله من قبل إلا في كتاب العلوم، فروه أبيض ثلجي و عيناه حمراوتان كجمرتين ملتهبتين، كنا في صباحات الشتاء القارصة نستيقظ باكرا كي نستقبله و هو يتسلل عبر باب بيتنا ليختبئ في المرآب، نذهب إليه محملين بأوراق خس طازجة قبل أن تأتي أمهم لتعيده إلى قفصه من جديد، أرنبهم علمني أن الأرانب تحب الخس أيضا، كما تحب الجزر..

لا أذكر جيدا تفاصيل تلك الأيام، ذاكرتي لم تكن قد نضجت بعد.. و لم تمكني من الاحتفاظ بكل ما أحتاج إليه زادا لأيام قادمة، لكن حديث أمي يرسم ملامح كثيرة.. كثيرا ما روت لأخي حادث الباب الذي أغلق على إصبعه و هو يتعلم المشي للتو، هرعت أم عبدالله إلى البيت حين سمعت صراخه، لفت إصبعه النازف و حملته سريعا إلى المستشفى.. في كل صباح كانت تأتي لتنظف الجرح و تعيد تضميده، كانت موجودة دائما لتساعد كل من يحتاج المساعدة، دست جسدها في سيارة زوج خالتي لترافق خالتي إلى المستشفى التي تقع على بعد 100 كيلومتر، كانت خالتي تضع ابنها الرابع و كانت معها في كل لحظة.. ” أم عبدالله حقها علينا” تردد أمي دائما..

بعد سنوات عدة كانوا يحملون أمتعتهم استعدادا للرحيل، بيتهم أصبح مهجورا قبل أن يسكنه رجال بوجوه مخيفة.. أصبح اسمه “بيت الكواويخ” و لم أفهم معنى تلك الكلمة إلا بعد سنوات، إقامتهم في البيت كانت تقتصر على أشهر معدودة، في مواسم الصيد.. لم أفهم كيف غدا ذلك البيت الدافئ النابض بالحياة و الخير في غضون سنوات.. شيء مخيفا يعلوه الغبار و الصدأ، أصرف طرفي عنه حين امر أمامه و أحاول أن أتجاهل سماع كل القصص المرعبة التي يحكيها الأطفال عنه..

لا أدري كيف ابتلعتهم الحياة في تلك السنوات، لكنهم عادوا إلى القرية من جديد، ليس في البيت المجاور، بل في شقة صغيرة واقعة فوق محلات السوق ذو المبنى الأخضر.. كانت مباني السوق الأربعة هي الوحيدة ذات الطابقين في قريتنا الصغيرة، و فيما بعد.. حين أصبحنا نزورهم هناك، كنت أغبطهم جدا على الإقامة في هذا المكان الرائع، بإطلالته المذهلة على شارع القرية الوحيد..! لم أكن أفكر بالغرف الضيقة و الأثاث القديم و التعب الذي طرأ على وجه أمهم.. كان كل ما يعنيني هو شرفات الشقة ذات السياج الأخضر، كم ستكون الحياة رائعة لو تمكن أبي من الحصول على شقة مماثلة، مهما كانت صغيرة و رديئة، المهم أن تكون في الطابق الثاني.!!

أمي كانت تضحك مني حين تسمع كلامي هذا، و كنت ألح عليها بالسؤال دائما، لم لا يبني أبي غرفا إضافية فوق السطح، كي يصبح بيتنا ذو طابقين كما هي شقتهم؟ سأتمكن حينها من صعود الدرج كل يوم، و التحديق باستمرار في منارة المسجد و مراقبة حمامات الجيران، و كنت أستغرب أن هذه الفكرة لم تطرأ على بال أحد من الجيران..! سكنت فيما بعد في الطابق الخامس و الثامن و الثالث و الثاني، و لم يضف لي ذلك أي بهجة إضافية.. كيف تكون عقولنا ساذجة جدا و نحن أطفال؟!!

لا أدري كيف اختفوا ثانية من حياتنا، لكن زياراتنا لشقتهم الصغيرة توقفت، قال أبي أنهم اشتروا بيتا في الشارقة و انتقلوا للعيش هناك، و انقطعت أخبارهم لسنوات.. بعد أكثر من عقد من الزمن، كان أبي يقود سيارته في شوارع ترابية مظلمة و غير مرصوفة، و أمام باب سقط الكثير من طلائه وقف يقرع الجرس، كان يفتح لنا الباب.. جارنا القديم و كانت أمي سعيدة لأنها تراهم من جديد، أخته التي كانت تشارك أختي الاسم ذاته تزوجت من ابن عمها، و أنجبت فتاة و صبيا، كلاهما كفيف لا يرى و كانت بائسة جدا.. بعد سنوات كنا نزورها في بيتها بالمرفأ، لم يكن الصبي يتخبط و هو يمشي، بل كان يتلمس الجدران بحذر كي يجد طريقه، لم نر الفتاة أبدا.. لكن أمي كانت دائما تتحدث عن شقائها مع أطفالها بعد أن توفي عنها زوجها..

قال أبي و نحن في طريقنا إلى بيتهم الجديد، الذي يقع على بعد كيلومترات معدودة من بيتنا الجديد، في المنطقة الواقعة خلف الجسر: كانوا جيرانا أوفياء جدا، لا أدري كيف تقطعت بنا السبل و لم نرد لهم جميل معروفهم، لم أعرف أنه كان مريضا.. قبل شهرين التقيته بالسوق صدفة، كان جسده نحيلا جدا، سألته.. ما بك؟ قال لي أنه متعب فقط.. لكن مرضه كان يشتد منذ سنوات ثلاث، و كان يقضي أكثر أيامه طريح الفراش في المستشفى.. ينزف قولونه و لا يملك الأطباء فعل شيء.. حتى مات بسيرة حسنة كما عاش.. لم ندخل بيته حيا، سندخله ميتا..

كان صديق أبي يدلنا على الطريق بسيارته البيضاء، و كنت أفكر بهم كثيرا.. كيف يمكن للحياة أن تبعد عنا أشخاصا كهؤلاء، كانوا لسنوات جزءا لا يتجزأ من تفاصيل يومنا، يغيبون طويلا حتى لا نسمع من أخبارهم إلا ما يسوقه الموت لنا..! أمام باب مشغول بحديد أسود وقفنا، لم نطرق الجرس هذه المرة، كان الباب مشرعا لكل المعزين.. و كانت الأحذية تتراكم و تختلط ببعضها أمام المدخل.. بكيت حين تخيلت أنه عاش هنا، أسس هذا البيت، اختار لون الطلاء و نوعية السيراميك، انتقى السجاد و الأثاث و الستائر، و بنى مجلسا أكبر للرجال، دخلت و أنا لا أكاد أميز وجها من تلك الوجوه، أمد يدي بالسلام و العبرة تخنقني، لكني حين وقفت أمام والدته كانت كما هي تماما، كأن الزمن انتزعها منذ عشرين سنة و حفظها كما كانت، بملامح وجهها التي لم تتغير، تجاعيدها التي لم تزد أبدا، عيناها الصغيرتان و جسدها الذي ما زال كما هو، أمي احتضنتها و أخذت تبكي، لا أدري هل كانت تعتذر لها عن كل تلك السنوات التي لم تبرها فيها..! أختي قالت أنها تذكرت اسمها، ربما لأن حادثة سقوطها من فوق السرير لا يمكن أن تنسى.. أمي و أبي كانا في بيتهم حين كسرت ساقها، و كانت هي ترافقهم.. كعادتها إلى المستشفى..

 كنت طفلة صغيرة في آخر مرة رأتني فيها.. حاذيتها و قبلتها فوق رأسها، سألتني: أنت بنت فلان؟

 - إيه خالو.. أدهشني أنها عرفتني.!

زوجته هي الأخرى لم تتغير أبدا رغم العشرين سنة التي مضت، كما هي تماما، وجهها النحيل، بشرتها البيضاء، صوتها المبحوح.. كانت تلتحف السواد و عيناها محمرتان من أثر البكاء، لا تكاد تهدأ حتى تعاودها ذكرى جديدة و تثير فيها زوبعة أخرى من البكاء.. جلست في طرف المجلس، قرب الباب و بكيت.. بكيت على طفولة نقية و سنوات كانت جميلة، بكيت على رجل كان في حياتنا يوما، و ما عاد..!

لِأَنّهُ يُشْبِهُنِي

10 سبتمبر 2008

اليوم، لم أستيقظ للسحور.. على غير عادتي، كان المنبه يرن في تمام الساعة الرابعة لكني لم أتمكن من سماعه أبدا، و بعد عشر دقائق حين كانت أمي تتصل بي لتوقظني.. أخبرتها أني لا أريد أن أتسحر، سأكتفي بشرب الماء.. لم أشرب الماء رغم أن الكأس كان قريبا مني، أغمضت عيني و حين فتحتها كانت الساعة تشير إلى الرابعة و 45 دقيقة، فات الأوان.! في وقت مضى، حين كان بيتنا أصغر بكثير.. كانت أمي توقظني و تناولني كأس الماء لأشرب، الآن.. أمي لا تستطيع ركوب السلالم و تكتفي بمهاتفتنا كي توقظنا..

 لم أستطع أن أعود للنوم مجددا، رغم أني لم أنم إلا منذ ثلاث ساعات فقط، أخرجت عدة الأظافر من الدرج و بدأت أقلم أظافري.. في تلك اللحظة اكتشفت أنها طالت جدا، قمت أتمشى في أرجاء الغرفة.. أحسست برغبة في غسل شعري، رغم أني لا أفعل ذلك عادة في مثل هذا الوقت، لكني لم أجد سببا لأقاومها.. حين لامس الشامبو أصابعي أحسست بشعور غريب في إصبع السبابة الأيمن، نظرت إليه.. اكتشفت أني نسيت أن أقص إظفره.! كيف فاتني هذا؟ لا أدري.. إطلاقا.. كم يبدو ذلك غريبا، كيف سقط إصبعي سهوا؟

فكرت أن الوقت قد حان أخيرا لأرتب مكتبي، أستطيع الآن أن أخرج أشيائي الصغيرة و أمنح كل منها مكانا مناسبا في مكتبي الجديد، لا أدري لم أشعر أني سأكون على علاقة جيدة بهذا المكتب.. أحس أنه قادر على استيعاب كل تفاصيلي الصغيرة، و رغم أن درجة اللون المكتوبة على البطاقة تشير أنه ” coffee color “ إلا أني أراه أقرب إلى اللون الأسود.. ربما بسبب إضاءة الغرفة..

أحاول أن أتذكر أول مكتب امتلكته، كنت في الإبتدائية و كان مكتبا طويلا جدا يتسع لشخصين، لم يكن هناك محل للأثاث في قريتنا الصغيرة، جلبه أبي من معرض أقيم لبيع أثاث مركز الجمارك القديم حين قاموا ببناء مركز جديد و قرروا شراء أثاث أحدث.. أختي كانت تستخدمه للمذاكرة، بينما كنت أحب رفه العلوي لأنه يتخذ شكل تجويف يتسع بيتا متواضعا لدميتي، كنت أرتب الأشياء الصغيرة التي أجمعها بعناية من بقايا الألعاب و الأغراض التالفة لتكون أثاثا للبيت، تلك كانت قمة المتعة بالنسبة لي، أما فيما يخض المذاكرة فقد كنت أفضل اتخاذ الوضعية المريحة على الأرض..!

فيما بعد حين اشترى لي والدي غرفة نوم زهرية اللون.. كانت التسريحة عريضة و مناسبة لأن تكون مكتبا، صديقتي مريم كانت تسخر مني بسبب ذلك، تقول لي: “كيف تستطيعين المذاكرة و المرآة أمامك..! سيصيبك هذا بالجنون” ، لكن الأمر كان مختلفا بالنسبة لي.. كنت أجده مسليا و كأن شخصا آخر يرافقني دائما.. لم أصب بالجنون أبدا و تمكنت من الاحتفاظ بعقلي حتى ذهبت إلى الجامعة..

في غرفتي بالسكن الجامعي لم يكن المكتب أكثر من مكان لترتيب الكتب الجامعية، و رغم أني غيرت غرفتي ثلاث مرات، إلا أن علاقتي بالمكتب الجامعي لم تتغير أبدا، كنت أضع عليه الكثير من قصاصات الجرائد و الصور و البطاقات التي تكتبها لي صديقاتي، و كانت أختي التي تشاركني الغرفة تتضجر كثيرا من هذه الفوضى.. حاولت أكثر من مرة أن أعقد معه علاقة حب أو صداقة.. لكني فشلت، و أذكر تماما المرات المعدودة جدا التي جلست فيها إلى المكتب أكتب أو أقرأ شيئا، كان سريري هو كل عالمي، هناك أنام و أقرأ.. أكتب و أذاكر.. أتناول طعامي و أستقبل صديقاتي.. لم أكن بحاجة لأكثر من مساحة السرير لأعيش حياتي، و كان المكتب مجرد قطعة أثاث زائدة تمنحني مساحة لترتيب الكتب و الأغراض الصغيرة..

مكتبي الجديد وقعت في غرامه منذ النظرة الأولى، عرفت أنه ما أبحث عنه تماما، و رغم أني لم أكن مقتنعة باللون في زيارتي الأولى لمحل الأثاث.. إلا أني وجدته مناسبا جدا حين قارنت الألوان في فرع آخر للمحل.. في الزاوية المقابلة للباب يستقبلني المكتب كل يوم و يبتسم لي.. يدعوني لأن أبدأ علاقتي معه.. و أشعر أن الوقت قد حان أخيرا..

 

 

 

رَائِحَةُ اللّوْزِ المُر

8 سبتمبر 2008

كنت أبحث عن وقت أجد فيه نفسي، أطفأت أنوار الغرفة و تركت ضوءا أصفر خافت ينعكس على جدار الغرفة الأحمر، رتبت الوسائد و دون أن أطيل التفكير سحبت الكتاب الأزرق من بين الكتب المتراصة، تأملت العنوان الذي كتب بلون أحمر.. ” الحب في زمن الكوليرا” هذا الكتاب الذي انتظرت قراءته منذ زمن، لم تكن دار المدى مشتركة في المعرض الأخير للكتاب، خيبت ظني و اضطرتني لتأجيل قراءته حتى هذا اليوم.. النسخة التي بين يدي مستعملة، هل هناك ما هو أجمل من كتاب قرأه شخص ما قبلك؟ تقرأ و تتبع آثار عينيه الساقطة على الحروف و بقاياه التي خلفها بين السطور..

كان كل شيء مواتيا لقراءة مثالية، قرأت الغلاف الخارجي و المقدمة كي أتأكد ألا يفوتني شيء، و حين بدأت بأول سطر في الرواية.. كانت تلك الجملة تتربص بي..!

” لا مناص، رائحة اللوز المر كانت تذكره بمصير الغراميات غير المواتية ”

قفزت فجأة من مقعدي، ما الذي جاء بهذه الرائحة هنا؟ في مطلع الرواية؟ كيف هربت من خزانتي و تسللت لأول سطر كي تقض مضجع القراءة في هذه اللحظة؟ هذا الكتاب.. يتواطئ مع تلك الرائحة.. لا يريدني أن أقرأه.! ما عدت قادرة على معاودة القراءة الآن.. بحاجة أنا لأن أكتب.. عن ماذا؟ رائحة اللوز المر.!!

كيف يمكن لبعض الهدايا أن تكون استثنائية أكثر مما ينبغي، كيف تتمكن من إزاحة كل شيء آخر عن تفكيرنا، و تبقى هي المهيمنة.. لأيام، لليالي..؟! حين جاءني الصندوق بغتة لم أكن متأهبة كما يجب.. لم أحسن استقباله، كانت دهشة اللحظة هي كل زادي، و يدي المرتعشة تزيل اللاصق و تقلب الأشياء، كل شيء كان في مكانه، عميقا.. غائرا.. يبتسم لي و يحمل رسالة ما، أفهمها جيدا..

العطر الذي يشبهني جدا.. رائحة الزهر الناعمة و الهادئة كما أحبها تماما، زجاجة شفافة و سائل وردي رقيق.. لا يحدث كثيرا أن أجد رائحة تجسدني كما تفعل هذه.!كيس ستاربكس أثار رعبي، ما الذي يمكن أن يكون بداخله؟ ستاربكس مرتبط في ذاكرتي دائما بفرابتشينو الكراميل.. أي جنون يجعل الفرابتشينو يصلني هكذا.. مغلفا بكيس ورقي؟ لا.. لم يكن فرابتشينو، كانت حبوب قهوة طازجة و كوب أنيق، لوحي شوكولاتة و رائحة تأسرني كلما شممتها.. هل سأعد قهوتي بنفسي منذ اللحظة؟

كانت رائحة اللوز المر ملفوفة بإحكام في كيس بلاستيكي، ضحكت كثيرا، أغمضت عيني و أنا أشمها، كي أتمكن من كل ذرة منها، يفوح منها عبق طفولة عابث و ذكريات آسرة.. اللوز المر ذاته الذي كان يتربص بي في الرواية الملفوفة بقصاصات الجرائد، مزقتها بإهمال و تأملت حروف الإهداء، ها قد أصبح لدي أخيرا نسخة مقروءة من الرواية، لكنها نسخة نظيفة جدا.. لا تكاد آثار القراءة تظهر عليها.. لا هوامش و لا خطوط.. لا خربشات أطفال و لا أوراق ممزقة، لا بقع شيكولاتة و لا قهوة مسكوبة.. ليس كل القراء مهملين مثلي..!!

في زاوية من الصندوق تنام رزمة صغيرة ملفوفة بعناية، أزلت الشريط اللاصق و أوراق الجرائد، كانت قطعة أثرية تنام هناك.. بلون برونزي مطفي.. و رائحة عتيقة.. عمرها عشرون عاما أو يزيد، عالم سحري آسر أصبح بين يدي، هل أمسح المصباح كي يخرج لي المارد.. أمنحه أمنيتان لنفسه و أبقي على الثالثة لي، أطلب إليه أن يأتيني بعلاء الدين.. كي أخبره كم أنا سعيدة بمصباحه..

أجمل ما في هذا الصندوق أنه لم يحوي ساعة يد، في الأيام الماضية، وصلتني الكثير من الهدايا، لم تكن واحدة منها تخلو من ساعة، نعم ساعة يد.. أنا التي لا أرتدي ساعات يد أبدا..! كدست صناديقها في خزانتي، أصبح لدي الآن خمس ساعات جديدة و ثمينة، لكنها محفوظة بعناية في صناديقها المخملية، لأن أي ساعة يد تسبب الحساسية ليدي و تهيج جلد معصمي، كيف لم يفكروا بأي شيء آخر سوى ساعات اليد؟ هي جميلة جدا و أنيقة.. سأتأملها كثيرا و أتمنى لو كانت كيس قهوة أو قطعة خردة رخيصة عمرها عشرون عاما.!