مَخْبَز الوَرْدَة الذّهَبِيّة
26 سبتمبر 2008على مائدة السحور، جلست مع والدي.. كنت أغالب نعاسي و أرتشف من كوب الشاي بالحليب، أبتسم و أنا أتذكر تلك العبارة ” أي مزاج رايق يجعلك تشربين شاي حليب على السحور.! “، أتأمل الألوان التي اختارها كل مخبز لأكياس الخبز و البقصم و الرقاق.. حين تذكرت هذا الاسم فجأة، و كأنه طيف حلم كان يسكن أيامنا زمنا ” مخبز الوردة الذهبية”..
كان أبي يحب خوض مشاريع تجارية صغيرة، لكنه لم يكن يملك الصبر الكافي ليكمل مشروعه حتى النهاية.. تتراءى لي أطياف ذكرى السوبرماركت الذي امتلكه في طفولتي الأولى، كان أول محل في المبنى الأول من السوق على الجانب الأيمن من شارع القرية.. أذكر جيدا رائحته، برادات الحليب و العصير، أرفف المواد المعلبة، و صناديق الخضروات و الفواكه.. لم يكن سوى محل صغير، لكنه في قريتنا النائية كان سوبرماركات بمواصفات جيدة جدا.. كنا ننهي واجباتنا سريعا كي نركب سيارة أبي في المساء و نذهب معه إلى السوبرماركت، حيث يجلس على مقعده خلف الطاولة الخشبية و يراقب سير العمل.. بينما نقضي وقتنا بالتجول و اللعب بين الأرفف..
لا أذكر كيف انتهى ذلك المشروع، لكنه لم يدم طويلا، و بعد وقت ليس بالقصير شاهدت خياطا يحمل اسم أبي على الجانب الآخر من السوق.. أظن أن التصريح فقط كان باسم والدي أما الخياط فكان يملكه هندي لا أتذكر ملامحه أبدا..كان خياطا فاشلا و لم تكن امي تاخذ ثيابنا ليخيطها عنده، بل تفضل عليه خياط حمزة صاحب اليد الماهرة و السمعة الجيدة..
حين خطرت فكرة المشروع الجديد على بال والدي، اعتبرتها عبقرية فذة.. و في تلك اللحظة فقط دهشت، كيف لم يفكر أحد بها من قبل.. كانت القرية و لسنوات طويلة تستورد الخبز و منتجاته من مخبز الرويس الأتوماتيكي، الواقع على بعد 100 كيلو متر، في مدينة الرويس التي وضع على مدخلها لافتة تقول أنها ” عروس الصحراء”، و كانت كذلك بالفعل.. لأنها تابعة لشركة البترول و التي بنتها على الطراز الأوروبي.. كانت مدينة صغيرة تحيط بها الأشجار من جميع أطرافها و تتوفر فيها كل مرافق الرفاهية من مطاعم و نوادي و حدائق و بحيرات يسبح فيها البط.. و مخبز..!
كان المشروع شراكة بين والدي، جارنا عيسى الملاصق لبيتنا تماما، و جارنا سلطان في الجهة الاخرى، هي علاقة قرابة و صداقة قديمة و ليست مجرد جيرة، و كان هذا كافيا لنجاح أولي للمشروع، استأجروا ثاني محل في مباني السوق على الجانب الأيسر، أنهوا عمل ديكورات المحل كي تتناسب مع مسمى مخبز، و لا أدري كيف اختاروا الاسم.. لكني أذكر جيدا قطعة القماش البيضاء التي كتب عليها اسم المحل ليتم تعليقها ريثما تنتهي اللوحة المضاءة، و لم أكن قد رأيت لوحة حقيقية عن قرب قبل تلك المرة.. و للأكياس اختاروا حبرا بلون ذهبي ليطبع اسم المحل بشكل دائري تحيط به سنبلتان، كان ذلك أكثر أناقة من أكياس مخبز الرويس ذات الحبر الأزرق التي رسم عليها خباز يضع قبعة طباخ و يحمل بيده رغيف خبز..
في اليوم المقرر للافتتاح كان كل شيء جاهزا، سوى عامل الحلويات الذي لم يكن قد وصل بعد.. و قد اقترحت شقيقتي الكبرى أن تقوم بصنع عدة قوالب حلوى لتباع في اليوم الذي كانت تترقبه القرية بأسرها.. كانت مولعة بصناعة قوالب الكيك و أظن أن معلمة التربية الأسرية كانت تفخر بها لمهارتها في ذلك.. كنت أتولى دائما خفق كميات كبيرة من البيض حتى يصبح ذا رغوة مناسبة لعمل الكيك الإسفنجي، في ذلك اليوم صنعنا عددا كبيرا من قوالب الكيك، زيناه بالكريمة البيضاء، حبات الكرز المسكر، شرائح اللوز المحمص و الحلوى الملونة الخاصة بتزيين الكيك، في تلك الفترة ابتكرت أختي طريقة لصناعة وردات تشبه ما نراه على قوالب الكيك الجاهز، كانت عجينة متماسكة من السكر و الماء و النشا، و مادة ملونة.. كنا نشكلها شرائح متساوية ثم نلفها لتكون وردة جوري حمراء مذهلة.. ذات أوراق خضراء.. كان أبي سعيدا بقوالب الكيك الأنيقة و كنت سعيدة بافتتاح مخبز خاص بقريتنا أخيرا.. بعد كل تلك السنوات التي كنا فيها مضطرين لشراء خبزنا من مخبز الرويس الأتوماتيكي..
منذ الأيام الأولى كان الفرق في الجودة واضحا، فمخبزنا كان يدويا و كان خبزه أفضل بكثير، استطاع المخبز في فترة وجيزة أن يوقع عقوده مع كل المحلات و المدارس ليورد لها الخبز اللازم، كانت أبلة ماجدة مشرفة المقصف تناولني مفتاح المقصف قبل نهاية الحصة الثالثة لأستقبل عامل المخبز الذي يحمل صناديق صفراء تفوح منها رائحة السندويشات الشهية.. أرتبها في مكانها أمام النافذة ذات السياج الحديدي و أقف بانتظار أن يقرع الجرس لتمتد عشرات الأيادي من بين فتحات السياج تطلب حصتها من السندويش.. كنت أشعر بالغبطة حين أسمع أبلة ماجدة تثني على سندويشات المخبز الجديد و تقول أنها أفضل بكثير من المخبز السابق.. كانت محقة في ذلك، ففي عهود ماضية كنا نضطر لشراء سندويشات الفلافل الباردة ذات الخبز الجاف و الذي نجد صعوبة بالغة في مضغه، أما سندويشات الزعتر فلم أجازف يوما بشرائها لكثرة ما سمعت عن بقايا أظافر و أرجل صراصير وجدت فيها، كنت أفضل أن احمل سندويشاتي من البيت و أكتفي بشراء عصير بارد من مقصف المدرسة..
أما حين أصبح مخبز الوردة الذهبية هو المسؤول عن صناعة السندويشات للمدرسة كنا نجد فيها مذاقا مختلفا، و كانت تصل ساخنة أحيانا.. لم تكن مجرد شريحة خبز تلتف حول حبات الفلافل، بل أصبحنا نرى لون الطماطم الأحمر و نذوق طعام الشيبس و الخس بداخلها، مناقيش الزعتر كانت لذيذة و لا زلت أحن لمذاقها حتى اليوم، و أصبحنا فيما بعد نبيع كرواسان الجبن و الزعتر في مقصف المدرسة.. و كانت تلك سابقة لا مثيل لها..
ذات فسحة، حين كنت أسير مع مريم في الملعب، سالتني إن كانت تستطيع الحصول على عنوان بريد والدي، كان ذلك قبل الإجازة الصيفية، قالت لي: ” سأكتب لك في العطلة”.. كان بيدي كيس الكراوسان البلاستيكي و خطرت ببالي فكرة، حين عدنا للصف ناولتها الكيس و قلت لها: “هذا هو عنوان بريد أبي”، أذكر أنها غضبت مني جدا و اعتبرت ما فعلته إهانة.. لأني سخرت منها، لكني كنت أضحك و أشرت لأرقام صندوق البريد المدونة باللون الذهبي تحت اسم المخبز: “صدقيني، هذا هو العنوان”.. لم تقتنع أبدا حتى أخبرتها أن أبي هو صاحب المخبز بالشراكة، لا أدري إن كانت تحتفظ بكيس الكرواسان حتى اليوم.. لكن رسائلها لي كانت أول رسائل أتلقاها بالبريد و كان في ذلك متعة حقيقية.. و فيما بعد، حين تخلى والدي عن حصته من المشروع استمرت مظاريف مغلقة تحمل اسم المخبز تصل إلى صندوق بريد والدي الذي كان يجمعها و يسلمها لعيسى..
عشت مع والدي الكثير من تفاصيل عمله في المخبز، كان يضطر لأخذي إلى أبوظبي بين وقت و آخر لكثرة مواعيدي و مراجعاتي في العيادات الطبية.. و كنت حينها أرافقه في مشاويره المختلفة لشراء مستلزمات المخبز من الدقيق و السكر و خميرة الحلويات و أدوات العجن، أذكر أنه أوقف السيارة ذات ظهيرة في مواقف مصنع الدقيق الواقع في ميناء أبوظبي، كنت أراقب الدخان المتصاعد من أنابيب المصنع و أتمنى لو أستطيع الدخول و مراقبة عملية تغليف الدقيق، في تلك الأيام اكتشفت الكثير من الأماكن التي لم أعرف بوجودها من قبل، كنا نقف خلف مستودعات الدقيق حيث يحمل العمال أكياس الدقيق و السكر إلى السيارة، كما رافقته حين ذهب لشراء آلة للعجن، كنت أجلس في السيارة و أراقبه من بعيد.. و أحيانا حين يتاخر، أتشاغل بقراءة كتاب التربية الوطنية أو التاريخ استعدادا لامتحان الغد..
لم احظ أبدا بفرصة دخول المخبز و الوقوف أمام الطاولة الزجاجية لاختيار ما أشاء من الحلويات، و كم تمنيت لو كنت في عمر أصغر كي أرافق والدي كما كانت تفعل شقيقتي الصغرى.. آخر العنقود، و لم يكن عمري مناسبا كذلك لأقف أمام باص الخبز و أشتري منه ما أشاء، كان ذلك الزمن قد ولى.. و كانت أمي ترسل ابنة خالتي الصغيرة بدراهم معدودة لشراء الخبز، لكنها كانت تتأخر أحيانا و لا تعود إلا بعد ساعة أو أكثر، و حين تسألها أمي عن كيس الخبز: تقول أنها نسيت شراءه.! و الدراهم؟ أوووه اشترت بها فطائر و شعبيات لها.! و كان أبي يضطر ليرسل سائق المخبز بالخبز الذي نحتاجه للعشاء..
بعد سنوات من افتتاح المشروع، يبدو أن الملل بدأ يتسرب إلى أصحابه، فباع سلطان حصته من المخبز لعيسى و كانت المشاكل تزداد كل يوم.. حتى ما عاد أبي قادرا على مواصلة إدارة العمل فيه، و حين تقاعد و قرر الانتقال للعمل في أبوظبي باع حصته هو الآخر لعيسى الذي أجره فيما بعد.. لا أدري إن كان المخبز لا يزال يحمل الاسم ذاته، لكن لا أظن أن مخبزا آخر افتتح في قريتنا منذ تركناها قبل خمس سنوات أو يزيد..