أكتوبر 2008

خَارِج نِطَاق التَغْطِيَة

27 أكتوبر 2008

هذا ما أشعر به تماما، ما الذي يجذبني بعيدا عن هنا؟ عن هناك؟ عن كل مكان آخر؟ لا أدري.. عاجزة أنا عن الكتابة، عاجزة عن البوح، عاجزة عن الوصول إلى الغيمات حيث يجب أن أكون، لم أشعر من قبل بضيق في أنفاسي كما أشعر به الآن.. أكاد أسمع الصفير الذي تطلقه قصباتي الهوائية و هي تحاول جاهدة تحرير الهواء المختنق في رئتاي، لا أقوى على التنفس حين أستلقي على ظهري، أكدس الوسائد و أغمض عيناي.. لست سعيدة، لكن شيئا في داخلي يشعر بالامتنان، لأني بت الآن أفهم ما كانت تعنيه كلماته و هو يتحدث عن ضيق أنفاسه.. أستنشق ذرات الدواء و أطبق أنفاسي بقوة.. هل ستجد طريقها لرئتي؟

إلى كل الردود التي تنتظرني، أرجوكم سامحوني.. سأعود، أعدكم أن أعود.. فقط حين أجد في نفسي القوة لأقف من جديد..

حِيْنَ تَوَقّفْتُ عَن الانْتِظَار

8 أكتوبر 2008

كنت أهم بكتابة مدخل جديد، لكن انقطاع الاتصال بين كل لحظة و أخرى أثار غيظي، أعرف انها إحدى الخادمات تكنس البيت و لا تهتم أبدا بسلك الجهاز الذي تنتزعه و هي تجر المكنسة جيئة و ذهابا.. ينتابني أرق صباحي منذ أكثر من ساعة.. حين أيقظتني أختي بطرقات على الباب لتستعير الكاميرا، أكره هذه الطريقة في إيقاظي.. كان بإمكانها أن تتصل و تطلب ما تشاء.. حاولت أن اعود للنوم لكني فشلت… عرفت أنها أعراض الكتابة..

أريد أن أكتب منذ أيام و لا أعرف ما الذي سأكتب عنه، رمضان الذي رحل دون أن أشعر به، العيد الذي جاء بغتة دون أن أستعد له، الفرح الذي وعدت أن أعيشه في نهار العيد، صبارتي التي نمت بعد العيد مباشرة، عرس أخي الذي كان شيئا من خيال، قالب التشيز الكيك الفاشل الذي أعددته بالأمس، خروفنا الذي ذبحوه و تناولوه على العشاء لحما مشويا، طاووس جيراننا الذي أفتقده منذ أشهر، ببغاؤنا الأحمق ذو الذيل الأحمر، الفوضى التي ضيعت ذاتي فيها و لم أتمكن من العثور عليها بعد.!

لِمَ يبدو لي أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن كل شيء؟ لكني حين أقترب من الأشياء و أحاول لمسها.. تتسرب من بين أصابعي كالماء، و لا يبقى منها شيء..

أحاول أن أتذكر تفاصيل يوم العيد، هل كنت فيه سعيدة حقا كما وعدت؟ جلست أتابع الحوار المعتاد بين الفلكي و رجل الدين و أنا أدعو في داخلي أن يتأجل العيد يوما واحدا، يوما واحدا  فقط كي أجهز نفسي لطقوس الفرح.. لكنه كان يتحداني و جاء قبل أن يتم رمضان يومه الثلاثين، بقيت حتى وقت متأخر في المطبخ.. أساعد في إعداد حلوى العيد، و لم أنتبه أن الوقت تأخر إلا حين جعلتني آلام رقبتي  عاجزة عن مواصلة العمل.. تحسست فقرتي العلوية، المنحرفة كما قال عنها الطبيب.. كان الألم لا يطاق..

لم أنم سوى ساعتين فقط، استيقظت في الخامسة، سأرتدي ثياب العيد و سأعد الدخون، أغرق في نشوة رائحته و أذهب للصلاة، و لن أستسلم للنوم كما كنت أفعل في أعيادي السابقة.. سأتمرد على الحزن و أعيش الفرح رغم أنفه، الطريق إلى المصلى كان مزدحما.. لكنا تمكنا من الوصول قبل الإقامة.. الشرطيتان عند مدخل النساء كن يتبادلن الحديث دون ملل، كان الجو خانقا لكن ما أن كبر الإمام تكبيرات العيد حتى كدت أبكي.. في وقت الخطبة كانت خادمة سمراء تحمل صينية تمر و تقدمها للمصليات، تناولت واحدة و شكرتها.. لم أكن قد أفطرت كما عودتنا أمي.. فتاة صغيرة بثوب أحمر مطرز بنقوش ذهبية كانت تحمل حقيبتها و تخترق الصفوف، ظننت أنها تبحث عن أمها، لكن فطوم كانت إلى جانبي تضحك و تقول أنها تريد عيدية..

أظن أن العيد انتهى بعد الخروج من مصلى العيد.. لأن الأشياء التي تلته كانت مكررة جدا.. لم أخرج من البيت أبدا..  و لم أزر أحدا، حتى الاتصالات لم تكن إلا لأقاربي فقط.. كنت أتمنى سماع أصوات عدة في صباح العيد، لكن تلك الغصة كانت تخنقني و تجعل التواصل عبر الصوت هو آخر الخيارات أمامي.. لم يتصل بي  أحد، و لم يبد لي أن وجودي كان مهما في حياة أحد صباح العيد.. لذت بالنوم و استسلمت للبكاء أخيرا..

كنت قد تركت صبارتي قبل العيد بيومين، كانت تربتها جافة قبل أن أغادر الغرفة..  كعادتي أنسى أن أسقيها.. منحتها جرعة ماء تكفي ليومين و حين عدت لها بعد العيد كان برعمها الصغير قد نما فجأة.! ذهلت و أنا أراه.. كدت ألمسه لكني تذكرت أشواكها التي ملأت يدي يوم زرعتها في الأصيص.. قبل أشهر، حين اشتريت الأصيص لأنه يشبه لون طلاء غرفتي.. بحثت في حديقة أبي عن نبتة تليق به..  و حين شاهدت صباراته المثمرة عرفت تماما ما أريد، سألته عن كيفية زراعتها و أخبرني أن الأمر سهل جدا، أحضرت له سكينا حادة.. قطع ورقة صغيرة من شجرته و غرسها في أصيصي، حذرني من لمسها تجنبا لأشواكها لكني لم أقاوم ملمسها.. حاولت أن اعدل وضعها في التربة حين أحسست بوخزاتها، لم تكن مؤلمة.. بل جعلتني أحبها أكثر، ربما كانت تعبر لي عن امتنانها بطريقة ما.. وضعتها منذ ذلك اليوم في غرفتي، أختي سخرت مني لأني أزرع صبارا ذا أشواك في غرفتي، لكني أحببت هذه النبتة.!

أخبرني أبي أن الأمر لن يستغرق سوى أسبوعين و ستنمو براعمها الصغيرة، لكن شهورا مضت دون أن يتغير فيها شيء، حتى أني فقدت الأمل، و حين سألت أبي.. قال لي إن كانت الورقة لا تزال خضراء فهي ستنمو حتما.. قد يستغرق نموها وقتا، فكرت.. ربما هي بحاجة لأن تعتاد الحياة في غرفتي قبل أن تطلق العنان لبراعمها كي تنمو.. تركتها كما هي و لم أعد ألح عليها أبدا، أعطيها حصتها من الماء و أمضي.. توقفت عن الانتظار، و ككل الأشياء التي تأتي حين لا ننتظرها.. جاءت هي، نمت براعمها فجأة، لا أدري إن كان العيد قد منحها كل تلك الطاقة لتكبر، لكني كنت سعيدة بها.. لأنها لم تخذلني أبدا…

 

 

 

 

الحُب فِي زَمَن الكُولِيرَا

7 أكتوبر 2008

ضحكت.. في الوقت الذي كان يفترض بي أن أبكي، لا أدري لم ظننت أن ماركيز سيكون ساديا كما هو عبده خال.. و سيجعلني أغلق الكتاب بحسرة في قلبي و ألم في روحي..  نسيت أننا وحدنا العرب من يستلذ بالألم.! منذ بدأت قراءته، حين كانت رائحة اللوز المر تحاصرني.. و خلال كل الصفحات التي كنت أفكر فيها بسنوات العاشق الخاوية التي قضاها بالانتظار، كان ألم النهاية هو ما يفزعني..

أعرف أن ما كتبه ماركيز ليس سوى ضرب من الجنون، قد يظنه العشاق في غمرة حبهم واقعا يمكن التعايش معه و الانتصار عليه.. سيظنون أن النهايات جميعا تشبه نهاية فلورينتينو أريثا.. لكن الحياة ستذكرهم في غمرة أحلامهم أن الانتظار ليس إلا موت آخر.. أقل بطئا و أشد ألما.. و أن كل تلك السنوات التي يبعثرونها في سماء الانتظار، كان الأجدى بهم أن يمنحوها لأجل ما يستحق..

هل هناك ما يستحق أكثر من الحب؟

كيف يمكن لحب لم يتجاوز رائحة الحبر و ملمس الورق و عطر الياسمين، أن يقف شامخا أمام نصف قرن من الزمن، دون أن يتراجع لحظة أو يندم على وهم حاكه لنفسه و عاش كل تفاصيله؟ كيف يمكن للآخر، أن يعيش حياته بكل سنواتها و أيامها و ساعاتها.. سعيدا، مسافرا، متخاصما، و حرا.. دون ان يخطر على باله ذلك البائس المنتظر؟

الحب أسطورة يصنعها المحبون، و هم وحدهم من يصدقها.. لأن زيفها يبدو جليا في الساعة التي ينقضي فيها الانتظار.. و يصبح ذلك الحلم بعيد المنال في متناول القلب.. في تلك اللحظة فقط يدركون كم عدد السنوات التي أنفقوها و هم ينتظرون، و يدركون كم ترهلت أيامهم دون أن يشعروا بذلك.. و رغم كل الاحتياطات التي اتخذوها ليبقوا على قيد الحياة.. يطل الموت برأسه بين فينة و أخرى، ليذكرهم أن ساعتهم قد اقتربت، و أن كل ذلك الانتظار لم يكن يقربهم إلا للموت بغتة..

حتى لو أمضوا أيامهم الأخيرة في قمرة منسية فوق عابرة نهر، ذهابا و إيابا، مدى الحياة.. ستسخر منهم الحياة، لأنها تدرك جيدا أن ذلك المدى قصير جدا.. قصير إلى الدرجة التي قد ينتهي في اللحظة التي تلي كتابة هذا السطر..