كَمْ بَدَت السَّمَاءُ قَرِيْبَة
31 ديسمبر 2008
تحكي بتول عن حياة فتاة عراقية، عاشت طفولة غضة في ظلال البساتين و قرب جداول الأنهار.. كانت السماء تبدو قريبة منها، لكنها في كل يوم تكبر.. تبتعد عنها أكثر، و تدرك أن للحياة وجها أشد قسوة.. يختبئ خلف قناع زائف.. تتكشف لها تفاصيل المرارة و المعاناة التي يعيشها شعب بأكمله جراء حرب طاحنة تنشب بين الحدود، لتتسلل شيئا فشيئا حتى تحرق الكيان بأكمله.. تهدي البشر الذين يحيون فوق أرضها ساعات من جحيم تتمدد كل يوم لتطول المعاناة أكثر..
ملامح الحياة في الشارع العراقي، و أنباء الأحداث على الجبهات، تتداخل لتصنع أيامهم و سنينهم، و حين تسنح لها الفرصة و تسافر بأمها المريضة إلى مدينة الضباب، ترقب الأوضاع من بعيد.. من فوق برج ضبابي يوشك أن ينهار في أية لحظة.. تصلها الأخبار مشوهة و متقطعة.. و كل أولئك الأحبة الذين تركتهم على أرض النخيل يوم رحلت، لا يبقى منهم إلا أسماء لا تكاد تعرف عما حل بهم.. لا تكتفي الحرب بقتل الأبرياء، بل تمنح ما تبقى من الأحياء آلاما يومية تصبح أنفاسا تقاسمهم أرواحهم..
حين أنهيت الكتاب أحسست أني حزينة، كان أبي يتابع نشرة الأخبار.. لقطات تبث من العراق ألفناها لكثرة ما شاهدناها.. حتى ما عادت تحرك فينا شيئا، مؤلم هذا الذي يحدث هناك، منذ عقود.. و هم يتخبطون من محنة إلى أخرى، لا يكادون يتنفسون الهواء حتى تمتد يد لتخطف منهم ما تبقى من ذراته، تضن عليهم بإغماضة عين هادئة و نوم قرير في مساء ساكن، و كأنهم شعب خلق ليكبر على صوت القنابل و مشاهد الدماء.. جيلا بعد جيل..