فبراير 2009

عَدٌّ تَنَازُليّ

19 فبراير 2009

أقف الآن عند ذات النقطة التي كنت تقف فيها يوم التقيتك أول مرة.. كم سنة مرت على ذلك اليوم؟ لا أدري بالتحديد.. فقد توقفت عن عد السنوات و الأيام منذ اخترت الرحيل، كنتَ يومها شجرة وارفة الظلال، و كنتَ تبدو أكبر بكثير مما أنت عليه حقيقة.. بينما كنتُ للتو أتخطى أعتاب العشرين و أبدو كطفلة تقف على رؤوس أصابعها لتبدو أطول قامة، قلت لك: علمني، فابتسمت بأسى و أجبت: ستعلمك الأيام، هي تجيد ذلك دائما..

الآن، و أنا أعبر مسالك العمر، أجد السنوات تتسرب من بين أصابعي، و أرى الثلاثين قاب سنتين أو أدنى، أجدني أزحف نحوها بخطى لا أقوى على التراجع عنها.. أشعر أني أصبحت أكبر بكثير مما يجب، كأني شخت عقودا في سنواتي الأخيرة، كأن كل تلك الأيام الماضية، ما كانت إلا حلما عشته في عمر آخر، كنته ذات غفوة.!

العد التنازلي صار يخيفني، أشعر أني أزحف نحو أجلي، كيف أستطيع أن أتماسك حتى ذلك اليوم؟ كيف أرمم نفسي كي تقوى على الوقوف بشموخ أمام زلازل الأيام القادمة؟ أنت لست هنا، و لن تكون أبدا.. بت أؤمن جيدا بهذه القناعة و أقتاتها كل يوم كي تتغلغل فيّ أكثر و تميت كل ذرة أمل ما زالت تجاهد كي تبقى على قيد الحياة، كل تلك الأحلام المؤجلة التي أهديتني إياها.. ركنتها في زاوية من قلبي، صارت الآن صدئة جدا.. تآكلت أطرافها.. و تبدلت ألوانها.. ربما بفعل الرطوبة و البرد و الحر.. و كل الظروف التي تعاقبت عليها فيما بعد، ما عدت أهتم بها كثيرا أو أبالغ بالعناية بها، يكفيني أنها لا زالت مكومة هناك، تحت ناظري.. ألتفت إليها لأتأكد أنها ما عادت صالحة للاستعمال بعد اليوم.. لذا لا تتعب نفسك بالعودة، ما عاد في العمر متسع لك..

. . .

19 فبراير 2009

غاضبة أنا

 

لا تسألوني عن السبب..

حِذَاءُ أَبِي

12 فبراير 2009

كنت أتناول طعام الإفطار، حين دخل أبي من الباب الخلفي يحمل صندوقا كبيرا مليئا بالأحذية، افترش الأرض.. فرد أمامه قطعة من جريدة عتيقة و بدأ بصف الأحذية فوقها، كنت أراقبه و هو يقوم بطلاء الأحذية، تلميعها، و إصلاح بعضها.. كان سعيدا جدا و الأطفال ملتفون حوله يراقبون ما يفعل.. منذ طفولتي أذكر تماما وجهه و هو يقوم بتنظيف أحذيته و تلميعها، ثم يتركها لتجف فوق قطعة جريدة،  طقسه المعتاد منذ الأزل.. كان يحتفظ بعلبة تحت الدرج المؤدي إلى السطح.. بها ألوان شتى من الأصباغ و فرش التنظيف، اللون الأسود، البني، الأبيض، البيج و صبغة شفافة تتناسب مع أي لون.. كنت أحيانا أستعيرها لألمع حذائي المدرسي.. أتذكر رائحتها جيدا تفوح في البقعة الصغيرة تحت الدرج..

قال لي: انظري هذا الحذاء عمره سبع سنوات، و هذا خمس سنوات، هذا اشتريته من بانكوك، و الآخر من الهند، هذا من السعودية، و هذا من محل رخيص في الفلبين لكنه لا زال جيدا..!

أحذيته تحتفظ بهوية تشبه المدن التي جاءت منها و بعمر يتذكره جيدا، و هو يحمل لها وفاء خاصا.. كان بعضها لا زال جديدا.. بينما البعض الآخر لا يصلح إلا ليرتديه و هو يعمل في حديقة البيت.. في كل سفر يتصل ليسألني عن مقاس حذائي، هو يفضل دائما شراء الأحذية كهدايا يقدمها لنا بسعادة حين يعود من سفره..

حين رأيته يلمع أحذيته، تذكرت آخر مرة خرجت فيها.. كنت أبحث عن حذائي بلا جدوى، التقطت أحد أحذية أختي و خرجت مسرعة للسيارة.. و حين كنت في السوق فكرت بشراء حذاء جديد، لكني لم أتحمس كثيرا، أعرف أني لن أجد أبدا ما أبحث عنه إلا بصعوبة بالغة.. أحاول أن أوثق تاريخي مع الأحذية.. لم أكن وفية لها يوما رغم أنها متشابهة جدا..  جميعها مسطحة، جميعها بنية اللون، جميعها رسمية أو أقرب إلى الرياضية، لم أهتم يوما بشكلها أو أناقتها.. لا أشتري الأحذية اللامعة البراقة أو ذات الكعب العالي أبدا، مشكلتي الأزلية مع قدمي العريضة و المسطحة تجعلني أكره الأحذية و أكره شراءها، أكره الاهتمام بها و أكره الاحتفاظ بها إن كنت لن أستخدمها..

انْطَفَأَ صَوْتُ الصّبَاح

4 فبراير 2009

حين استيقظت هذا الصباح لاحظت أن الكون أصبح أكثر هدوءا من حولها، لم يزعجها صياح الديك في بيت الجيران منتصف الليل، و لم يوقظها لهو الأطفال الصاخب قرب باب غرفتها، و لم تنزعج من أعمال الحفر و الصيانة في الشارع المقابل منذ الصباح الباكر.. اليوم يسير كل شيء بهدوء و تأن، و كأن العجلة اختفت فجأة من العالم و أصبح كل ما حولها قابلا لإعادة النظر و التفكير.. 

جلست لتناول الإفطار، كان الببغاء الموضوع في القفص قرب النافذة القريبة هادئا، لم يبادرها بتحيته المعتادة ” سلام عليكم”، و لم يثر ضحكها و هو يقلد أصوات الأطفال و القطط.. كان البيت هادئا على غير العادة.. لا تسمع صوت الأطفال و هم يرددون الأغاني بإيقاع متناسق مع قناتهم المفضلة.. مشت قليلا قرب الباب ثم عادت لغرفتها لتديرالمذياع على إذاعة الشارقة، حيث قارئها المفضل خليفة الطنيجي يرتل القرآن بصوت عذب، بعد لحظات جاءتها الخادمة و هي تصرخ بانزعاج: ” ماما هذا واجد عالي، إنت ما في يسمع؟؟”

في الأسابيع القليلة الماضية أصبحت تفوت أوقات الصلوات، لأن الساعة التي علقتها قرب باب غرفتها ما عادت تطلق الأذان في وقتها المحدد، دخلت زوجة ابنها الغرفة تدعوها لتناول الغداء و الضجر باد على ملامحها، تقول أنها منذ ساعة تطرق الباب.. ” كنت أصلي، ما سمعتج.!” ابنها لاحظ أنها ما عادت ترد على مكالماته الهاتفية إلا بعد أن يعاود الاتصال أكثر من مرة، و هو بحاجة لأن يصرخ كي تسمع ما يقوله..

حين بدأ ذلك الطنين يزاحم الأصوات في أذنيها، أدركت أن الحياة ستخفت من حولها.. و أنها ستفتقد قريبا كل الأصوات التي ملأت أيامها حياة و صخبا طيلة السبعين سنة الماضية من عمرها، استغفرت الله كثيرا على أيام صباها، حين كانت تستمع خلسة لمواويل حاتم العراقي و أغاني أم كلثوم، كانت تلك اللحظات المسروقة من أيامها كظلال خضراء تستظل بها لتقيها قيظ الحياة من حولها، تتذكر صوت ذلك المؤذن الشاب الذي دخل قريتها ليمنح حياتها عذوبة مع كل أذان يرفع، تقف قرب الدرج المؤدي إلى السطح و تستمع له.. و حين تقدم لخطبتها، فار والدها و ثار.. لم تسمع صوته بعد ذلك اليوم..

حين تفرغ ابنها أخيرا ليأخذها للعيادة، كانت الأصوات تصلها مبهمة غامضة، كأنها آتية من قاع بئر سحيق.. و حين يصرخون كي تسمعهم، كانت الأصوات تستحيل لصدى يرتطم بجدران عدة قبل أن يصلها أخيرا مشتتا و مبعثرا، في غرفة الاختبار الصغيرة جلست و الجهاز بيدها.. استمعت بإنصات لتعليمات الطبيب، من النافذة الزجاجية الواقفة كغلالة شفافة بينها و بين ابنها.. تأملته و القلق باد على وجهه، هل يخشى أن تفقد سمعها؟ هل ستتغير الحياة حينها؟ كم سنة بقيت لها في رصيد أيامها كي تخشى عليها؟ ألم يرحل زوجها و يتركها قبل سنوات عدة تتنقل من بيت لآخر بقلب كسير و عين دامعة؟ ألم تتمكن من اعتياد حياتها بعد ذلك؟

لم تهتم كثيرا بما قاله الطبيب لابنها، في السيارة حين ناولها ابنها كيس الدواء.. تناولتها بيد مرتعشة.. عادت لغرفتها، حملت جهاز التسجيل، استخرجت منه بطارياته القديمة و أعادته لكرتونه الممزق المركون في الرف السفلي من خزانتها إلى جانب كيس الأدوية، نامت دون أن تتناول عشاءها.. و حين أسدلت ستائر الغرفة كان ضوء هاتفها النقال يومض في الظلمة، رمت به في الدرج المجاور للسرير.. أغمضت عينيها و استسلمت أخيرا لنوم هادئ جدا.. أكثر هدوءا مما كان في أي يوم سابق من حياتها..