مارس 2009

مُشَتّتَةٌ كَغَيْمَة

23 مارس 2009

حتى حين أحاول أن أنسى، يبقى هذا اليوم حاضرا في ذاكرتي العتيقة، متيقظا كقط ينتظر لحظة الانقضاض، يذكرني أن كل محاولات النسيان ما هي إلا تجارب فاشلة، يستحضر كل الخيبات التي كانت.. و الأمنيات التي ما عادت.. و اللحظات التي مضت كحلم عابر.. كيف يمكن لهذا اليوم أن يكون متضخما بالصمت مثلك؟ ممتلئا بعمر من الهزيمة؟ ناطقا بسنوات من الألم و الحسرة؟ لم لا يكون عبقا بالسعادة؟ مغتسلا بالفرح؟ مبللا بالأمنيات الجميلة؟ ربما لأنه يأتي دائما، دون أن تأتي أنت.. و شتان بينكما.!

منذ أسابيع و أنا أحاول أن أستجمع شتاتي لأكتب، لكن الأحرف تهرب مني إلى حيث اللامكان.. أزور المدونة كعابر سبيل، و أخرج سريعا متخفية بدقائقي اللاهثة كعقارب ساعة تعمل منذ الأزل، مضى يوم ميلادي دون أن أتذكره.. كان ذلك الصباح غارقا في الضباب، استيقظت باكرا لأجد أقدامي تقودني للدرج المؤدي إلى السطح.. عبرت الباب للمرة الأولى منذ انتقالنا للبيت الجديد.. كان الضباب ينتظرني بنشوة عند العتبة، أحببت الرطوبة التي تجمعت حولي لتحتفل بمقدمي، سرت حافية القدمين على الأرض المبللة، وقفت أتأمل الزرقة الممتزجة بخط الأفق كلوحة ألوان أفسد المطر ملامحها.. كان طائر صغير يقف على الحافة يراقب الكون الغارق مثلي.. النوافذ غارقة في سبات صباحي، و أبواب البيوت مواربة بخجل، الشارع يبدو خاليا كحلم نفضه أصحابه.. فرد الطائر أجنحته و تركني وحيدة، عدت أدراجي.. و أغلقت الباب خلفي.. كأن بابا من حلم قد أُغلِق..!

 بات عمر مدونتي عاما كاملا دون أن أنتبه لذلك.. كان ذلك قبل عشرة أيام أو يزيد، لكني أعيش هذه الأيام حالة تجعل التفاصيل الصغيرة تسقط مني سهوا، هو مارس من كل عام.. يكون حافلا بالكثير.. عام كامل و أنا أحلق بين الغيمات.. أقطف النجمات و أصنع من حبات المطر عقودا أزين بها أحلامي الصغيرة.. عام كامل و هذا المكان يهديني لحظات حالمة كالسحر، و يحتويني كظل في هجير الصحراء، يمنحني قلوبا جميلة و غيمات ماطرة.. كل عام و مدونتي بخير..

أبدو مشتتة و أنا أحاول أن أجمع أطراف الحرف، كأن الأيام تستعجلني لأدون ما في داخلي قبل أن يفوت أوانه.. ماذا بقي لأقول؟ معرض أبوظبي الدولي للكتاب.. كنت أرتقبه بشوق، في ذلك اليوم كنت متحمسة جدا..  كعادتي حين أكون متحمسة لأمر ما، أجد صعوبة بالغة في النوم.. استيقظت باكرا جدا، قبل صوت المنبه بساعة أو أكثر.. مر الوقت بطيئا، شحنت بطارية الكاميرا، كتبت قائمة الكتب، رتبت حقيبتي، خرجت من البيت الساعة الثامنة و النصف.. كان الزحام قد بدأ ينفض تدريجيا عن شوارع العاصمة.. خفق قلبي حين لمحت برج مركز المعارض من بعيد و هو يبدو تحت الإنشاء، أوقفت سيارتي في مبنى المواقف الخلفي.. دخلت القاعة الفسيحة لأجد طوابير طويلة من طلاب و طالبات المدارس مصطفين بانتظام.. ارتسمت ابتسامة على شفتي و أنا أراقب تصرفاتهم الطفولية، تذكرت أول زيارة لي لمعرض الكتاب.. حين كنت في المرحلة الإعدادية، كنت متهيبة جدا من شراء الكتب و لم أخرج بالكثير.. لكنها زيارة لا أنساها أبدا..

من البوابة الرابعة بدأت جولتي، كالعادة الدور الرسمية الممثلة للمنظمات الثقافية و الأدبية، كنت أحمل الكاميرا بيدي، لكني شعرت أنها ستشتت ذهني و لن أتمكن من التركيز على الكتب، قررت أن أؤجل التصوير لحين انتهائي من الشراء، بدأت بجناح المجمع الثقافي.. اقتنيت نسختين من كتاب ابتسام المعلا و مجموعة قصصية لروضة البلوشي، إضافة إلى مجموعة من الكتب السمعية.. المحطة التالية كانت دار الشروق، هناك شعرت بنهم كبير لشراء الكتب.. أدركت أني لن أستطيع الحركة بحرية مع هذه الأكياس الثقيلة.. البائع كان كريما و وافق على الاحتفاظ بالأكياس لحين عودتي.. التسكع بين أكوام الكتب يمنح بهجة و متعة لا تقاوم، و لأن قائمتي لم تكن طويلة، لم أهتم كثيرا بالتفاصيل الصغيرة.. سأشتري ما تقع عيناي عليه و يهفو له قلبي، أصبحت أراقب الناس و هم يمارسون طقوسهم في شراء الكتب.. رجل مسن و مقعد على كرسي متحرك، تدفعه خادمة آسيوية.. جاء لزيارة المعرض.!

طلاب المدارس من الذكور كانوا منشغلين بالتسكع و إلقاء التعليقات الساخرة، و تقليب الكتب أحيانا بجهل يبدو جليا من أعينهم.. كنت أرثي لحالهم فعلا، أحدهم يقول: ما شي شغلة، خلنا نخلص من كتب المدرسة عشان إنيي نشتري هالخرابيط.. المدرسين لم أجد لهم أي أثر، بينما المدرسات على النقيض تماما.. يحملن كوبونات المعرض الممنوحة للمدارس و للطالبات و يبحثن بتفان عما يشترينه، الصغيرات بحقائبهن الملونة و جدائلهن الجميلة يتجمعن حول البائع ليسألنه عن أسعار كتبهن الملونة، يدفعن السعر من كوبوناتهن بسعادة بالغة.. طالبات الثانوية كن منشغلات بشرب القهوة و تناول المثلجات، و ملاحقة تركي المريخي - الحكم في برنامج شاعر المليون - ليلتقطن له صورا، هن لم يسلمن من مشاكسات الطلاب و معاكساتهم الساذجة، يقلبن الروايات و المجلات الفنية و لا يعرفن ماذا يخترن منها، هن حائرات.. كعادة الفتيات في هذه السن..

حين بلغت الساعة الحادية عشر و النصف كنت قد اشتريت أغلب ما جئت لأجله، إضافة إلى المزيد الذي لم أخطط له.. عدت لدار الشروق، أودعته بقية كتبي و توجهت إلى المقهى.. كانت الطالبات قد تعبن أيضا من كثرة التجوال و افترشن الأرض بجوار حقائبهن و أكياسهن، يتناولن العصير و السندويشات و يثرثرن بأسلوب محبب جدا، أفتقده منذ زمن.. استأذنت إحداهن لأجلس إلى طاولتها، وافقت دون أن تبتسم.. لم تكن مبتهجة.. كانت ترتدي ثوب الإبتدائية الرمادي و الزهري.. حتى الزي المدرسي تغير عما كان عليه قبل سنوات.. حين جلست زميلتها، شعرت أني قادرة على الحديث معهن أخيرا، لا أدري لم كنت أبحث فيهن عني.. الطفلة التي كانت تشبههن جدا في زمن مضى..

وَقْتٌ بَدَل الضَائِع

5 مارس 2009

لا أشعر بشيء، كأني أتخبط وسط دائرة من فراغ.. أشعر أن جسدي يطفو، و يطفو حتى يكاد يصطدم بسقف السماء، كأن كل شيء يبدو عبثيا، و كأني هنا اليوم لأني لا أجد مكانا آخر أكون فيه، هل هذا هو الوقت بدل الضائع؟ ما عاد الزمن يشعر بي، و ما عاد يهتم بوجودي في ركبه أم لا، سيمضي.. بي أو بدوني، لن يتوقف لحظة بانتظار أن ألتقط أنفاسي..

تقرض الحمى أطراف روحي، لا تلقي بالا لكل الأدوية التي ألتهمها، تترك أطرافي مرتعشة، بينما تفور براكينها في صدري.. في كل مرة تزورني أشعر أنها تقربني من الموت، لا أهابه.. لكني سأقلق على كل الأشياء العالقة من بعدي.. كل تلك الأمنيات الصغيرة التي لم أحققها، كأن أصنع رجلا من الثلج، أو أؤلف كتابا، أو أزور مدينة أحلم بها منذ سنوات، أو أشرب قهوة تحت المطر..!

حمقاء جدا أمنياتنا التي لا تشبه أحدا سوانا، ليتها تدرك أنها تدفع ثمن هذا غاليا، فحين نموت.. ستندثر، و لن يسعى لتحقيقها أحد..