عَالِقَةٌ فَوْقَ الغُصْن
30 أكتوبر 2009حين دخلتُ القاعة، كانت تقف إلى جوار والدتها تستقبل المهنئين.. ترتدي ثوبا سكريا أنيقا تزينه زهرات حمراء كبيرة.. و تضع الكثير من المساحيق على وجهها ، بالكاد عرفتها.. شعرها بصبغته الكستنائية تختبئ على طرفه زهرة شبيهة.. لا أدري لم شعرت أنها بالغت في زينتها هذه المرة، ربما عمدا.. لكنها كانت دائما جميلة..
قلت لها مداعبة: أوووه، يبدو أنك تحاولين منافسة العروس هذه الليلة.!
أطلقت ضحكة عالية و تعليقا ساخرا كعادتها، بعد أن ابتعدتُ.. تمنيت لو لم أقل لها ما قلته، شعرت أني بدوت سخيفة بهذا التعليق.. تذكرت أنها استلمت قبل أشهر فقط وثيقة طلاقها..!
غرقت في الزحام و أنا أحاول البحث عن وجوه شقيقاتي اللاتي سبقنني إلى القاعة، سحبت مقعدا و جلست على طاولتهن، كانت تجلس سيدة لا أعرفها مع ابنتيها، و البعض من صديقات أختي الصغرى.. صوت المطربة كان عال جدا و مضجر بدرجة لا تطاق، كنت أرى الشفاه تتحرك.. لكني لا أسمع أي شيء سوى صدى الموسيقى و الكلمات التي أعجز عن سماعها لأنها تجاوزت عتبة التنبيه في أذني.! أكره أجواء الاحتفالات جدا.. كل شيء لامع و براق.. الوجوه تبتسم ابتسامة (بلاستيكية) زائفة، و تجامل بكلمات خرقاء تتطاير في الهواء فور اجتيازها للشفاه.. كنت أراقبها و هي تقوم باداء دورها كأخت للعريس على اتم وجه، تبتسم في وجوه الحاضرين، تتحدث مع هذه.. و تضحك مع تلك.. تطير من طاولة إلى طاولة كفراشة ملونة.. تحب الحياة وتعشق الفرح، كنت أود أن أقف أمامها.. أنظر في عينيها و أسألها:
- هل أنت سعيدة حقا؟ أم أنك تبالغين في أداء هذا الدور الآن كي لا يشفق عليك أحد؟
لا أريد أن أقسو عليها.. لكني أكره أن أراها تقسو على نفسها.. في اليوم السابق، حين دخلت خيمة الاحتفال بليلة الحناء رأيتها ترتدي ثوبا أنيقا و ترقص.. ابتسمت بسخرية حين سمعت كلمات الأغنية المنبعثة من جهاز التسجيل: ” ننسى الي فاتنا و نعيش حياتنا “.. كنت أنظر إلى عينيها، أبحث فيهما عن الحقيقة.. هل تريد أن تنسى حقا ما فاتها و تستدرك ما بقي لها من حياة؟ رقصت طويلا حتى أعياها التعب.. كأنها تريد أن تبرهن للجميع أنها لا تبالي بنظرة المجتمع لها كامرأة مطلقة..!
تقول أمي: ” محد يعرف الي بين الحرمة و الريال غير الله “، كانت تؤدي دور الزوجة المخلصة المطيعة الراضية لسنوات.. لم يرزقها الله الأطفال، و ظلت أمنيتها هذه مخبأة في أحشاء القلب.. تكتفي بالرد على أسئلة النساء الخبيثة بضحكة رنانة.. و عبارة ترددها بآلية مقيتة: ” الله يرزق متى ما يبي “.. هل كانت تعلم أن حرمانها من الأطفال نعمة ستحمد الله عليها فيما بعد؟
دخل السجن.. لم تكن تلك زيارته الأولى، كان له سجل طويل من الشغب و السلوك الملتوي.. لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها أبدا، كما أنه دخل هذه المرة برفقة أخيه التوأم.. مسألة شائكة و عويصة، اختصرها الجميع بقولهم أنها قضية أخلاقية.. التفاصيل تختلف من رواية لأخرى.. لكن الحكم على القضية جاء مزلزلا، السنوات التي حكم فيها كانت طويلة،، أطول مما يمكن أن يتخيلها عقل..! لم تتملص من دورها كزوجة أبدا، ظل مسكنها في بيت أهل زوجها كما كان من قبل.. حصلت على وظيفة أخيرا و اشترت سيارتها من مالها الخاص، ستعيل نفسها من الآن فصاعدا.. كما أنها ستتكفل بمصاريف زوجها القابع خلف القضبان..! كنت أفكر حين أسمع بأخبارهم: كيف يمكنها أن تطيق زوجا مدان بقضية كهذه؟ لم لا تطلب الطلاق كي تحفظ كرامتها؟ قالوا: هو مظلوم.. و ألبس التهمة .. نحن في مجتمع يفترض حسن النية للرجال دائما..
كم سنة مضت على مكوثه خلف القضبان؟ لم تكن تفوت موعد زيارة.. تحمل له مصروفه الشهري و كل ما يحتاجه.. لم تكن تنتظر أن يقول الناس عنها: ما أوفاها من زوجة!! كانت تفعل ذلك لأنه واجب ملقى على عاتقها.. لكن الأيام كانت تخفي لها ما لا تعلمه.. كشرت عن أنيابها فجأة، و ضحكت بسخرية لاذعة على جراحها الندية..
صار يتملص من رؤيتها، و ما عاد يتصل بها أو يرد على مكالماتها.. أرسلت له أكثر من مرسال،، لم تكن تعلم أن النار تتقد من حيث أمنت هي، لم تسلم من دسائس حيكت لها من أقرب الناس إليها، و حين صار الدخان يتطاير في السماء أدركت كم كانت غبية، وجدت نفسها فجأة وسط نار متقدة.. وحيدة دون مؤنس أو معين، كانت تأتيه تهديداته على لسان شقيقاته و عماته، سيلا منصبا لا يتوقف، حملت ثيابها و عادت خائبة لبيت والدتها، بكت في حضنها كثيرا..
حين استشارت محاميا، تعجب من صبرها..! قال لها: كان بإمكانك طلب الطلاق منذ أول يوم صدر فيه الحكم، قالت والدتها: ما كنا نبي الفضايح.. صمتت هي.. قررت أن ترفع دعوى طلاق، استشاط غضبا و كانت براكينه تفور: لن أطلقها، سأبقيها معلقة حتى آخر يوم من عمرها، سأريها الويل، سأخرج من السجن و أتزوج من أخرى كي أذلها و أهينها.. س… س… س…. كانت صرخاته تضيع في الفضاء… ما حيلة المقيد و هو يصرخ من خلف قضبان سجنه؟
حصلت على وثيقة الطلاق أخيرا، تحررت منه.. تحررت من ظلمه.. تحررت من المهانة التي عاشتها لسنوات، لم تتغير ضحكتها أبدا، لم تتغير ابتسامتها، لم يذو وجهها، لم تعش اكتئاب ما بعد الطلاق، ما عاد يعنيها أنها تجاوزت عتبة الثلاثين،، و هي الآن في بيت والدتها.. دون زوج.. دون ولد.. على الأقل وجدت نفسها بعد أن ضيعتها سنوات طويلة….
حين رأيتها آخر مرة.. كانت قد صبغت شعرها بلون أحمر.. قلت لها: وش هالصبغة المجنونة؟ قالت: ما عليج، هالصبغة طيحت وايد ناس.. فهمت من شقيقتي أن خطابا كثر تقدموا إليها.. لكنها رفضتهم جميعا.. ليس لأنها لا تريد الزواج، بل لأنهم لم يناسبوها.. متزوجون، مطلقون، لديهم أطفال، أو كبار في السن.. شقيقة أحدهم قالت لها غاضبة حين ردت عليهم بالرفض: شو مفكرة نفسج؟ تبين إييج ريال بقراطيسه؟ أجابتها: ما أبي ريال بقراطيسه، بس مو مجبورة آخذ واحد معرس و لا عنده عيال عشان أعيش.. حياتي أقررها مثل ما أنا أبي مو مثل ما المجتمع يبي…