. . .
13 نوفمبر 2009فقط أحبك.. و أحبني.. و أحب جميع البشر..
يا رب امنحنا الرضا و القناعة..
صباحكم أفراح جميلة و غيمات بيضاء..
فقط أحبك.. و أحبني.. و أحب جميع البشر..
يا رب امنحنا الرضا و القناعة..
صباحكم أفراح جميلة و غيمات بيضاء..
” ماتت أمون “.. هكذا تختزل كلمتان في مكالمة هاتفية حياة إنسان ولد و عاش ليموت..!
هذه المرأة الأربعينية.. التي عانت في سنواتها الأربع الأخيرة ما جعلها تموت في اليوم مئة مرة..!
حين أفكر بها، أتذكر تلك الشابة التي حفظ الطريق الرملي الواصل بين بيتنا و بيتهم خطوات أقدامها و هي تطرق بابنا كل يوم.. صباحا و مساء، تساعد أمي و تؤنسها في لحظاتها، أمون التي أكملت دراستها متأخرة.. كانت تركب الحافلة مع والدتها لتتلقيان التعليم في صفين متجاورين، أمون التي كانت بسمتها تملأ وجهها البشوش و ضحكتها لا تفارق شفاهها في كل نزهاتنا و رحلاتنا، تلك الزيارة لمدينة العين لا تفارق ذاكرتي أبدا.. ألبوم الصور يحتفظ بملامحها و هي تقف إلى جوارنا تحت شلال العين الفايضة مبتسمة كربيع مزهر… أمون التي لم تتزوج إلا بعد أن تخطت عتبة الثلاثين.. تركت في هذه الدنيا طفلتين و ولدين، يبكيان شوقا لليلة ينامون بها في حضن والدتهم.. تركتهم منذ أربع سنوات لتبدأ رحلة معاناتها مع المرض الخبيث، كانت نطفتها الخامسة تنمو في رحمها حين علمت بمرضها، لم يكن أمامها خيار سوى أن تجهضه في شهره الثاني.. كي تتلقى علاجها، ظنت أن وعود الأمل و الشفاء التي ساقها لها الأطباء ستصدق، لكنها لم تخرج من عملية إلا لتدخل أخرى، و لم يكد جسدها يرتاح أبدا من جرعات العلاج الكيميائي.. أمها قالت: “سأذهب معها حيثما ذهبت”..
كانت وجهتهم لتايلاند.. ظلت هناك أشهرا طويلة، تتعطش شوقا لرؤية أطفالها و ضمهم إلى صدرها.. لم تكن محادثاتها الطويلة - صوتية و مرئية - معهم عبر الإنترنت تروي أبدا ظمأ الأم… كانت النتائج بعد العملية مبشرة، لكنها انتكست مجددا.. و ظلت المعاناة مستمرة.. رأيتها آخر مرة قبل عامين.. في عزاء ابن خالتي - رحمه الله - كانت تجلس إلى جوار أمي و عيناها شاردتان.. نظرت إلى وجهها.. عرفتها، لكنها لم تكن أمون التي أعرفها منذ طفولتي، غابت البسمة و انطفأت إشراقة الوجه، كانت ذابلة الروح منهكة الجسد..
حين عادت أخيرا بعد عمليتها الأخيرة.. لم تمكث في البيت أيام معدودة حتى عادت لتصبح سجينة العناية المركزة.. استشرى المرض الخبيث في كل خلايا جسدها، حتى ما عادت هناك خلية إلا و هي تتوجع و تئن.. جرعات المورفين القوية لم تكن كافية لتريحها من هذا العذاب.. قالت لهم: “أريد أن أعود إلى البيت، أريد أن أكون مع أطفالي، أضمهم حين ينامون، و أطعمهم بيدي، دعوني أموت بينهم”.. لكن أمنيتها الأخيرة ظلت معلقة.. نقلت إلى الطائرة لتسافر مجددا إلى تايلاند.. والدتها التي لم تفارقها لحظة واحدة منذ بداية مرضها كانت معها في موعدها الأخير مع الموت.. تقول: ” موت الغربة صعب..! “
لم أر عزاء كهذا من قبل،، السيارات تمتد على مرمى البصر في الشارع المقابل لبيت شقيقها حيث أقيم العزاء.. تلك القامة الشامخة، أم حسن.. كما نناديها جميعا، كانت تجلس في العزاء و قد ذبلت تماما.. انتفخت عيناها من كثرة البكاء.. تقول: ” الله عطاني إياها أمانة أربعين سنة، و الحين حب ياخذها.. الله يرضى عليج.. الله ينور قبرج… الله يجمعنا في الجنة “..
” ذهب، كانت ذهب..! ” قال أبي و هو عائد من العزاء.. ما أندر الذهب في أيام كهذه يا أبي…
لا تصدق أني نسيت، مهما حاولت أن أوهمك بذلك.. فذكراه حاضرة في كل خلية من خلاياي.. لكني حين رأيت الرقم جليا أمامي، واضحا كشمس ساطعة.. يغشى نورها عيناي، أدركت أن الحقيقة أصعب من أن أتجاهلها.. كيف يمكن للعمر أن يكون هكذا.. كومضة برق خاطفة؟ تنير سماءنا للحظة.. ثم يظل صدى ذكراها باقيا.. كأن العمر لم يكن إلا حين كنت أنت! كأن النجمات كانت قناديل تستمد زيتها من روحك، كأن الغيمات لم تصعد للسماء إلا فوق أجنحة حلمك، كأن البحر لم يرتدِ حلته الزرقاء إلا حين أهديتها له.. كأن النوارس لم تتعلم التحليق إلا حين صفقت لها بيديك، كأن الحروف لم تجد النطق إلا حين لقنتها أبجدية اللغة… كأن العالم، كل العالم يحبس أنفاسه بانتظار أن تنطق أنت.. تكلم أرجوك.. صمتك يقطع أنفاس الصبر..