في ذاكرتي.. أول صورة لمعرض الكتاب بأبوظبي كان خيمة كبيرة تقع في الباحة الخلفية لمبنى المجمع الثقافي.. اليوم، حين شاهدت مبنى مركز المعارض و قد اكتمل.. شعرت بنشوة عظيمة.. عاصمتي تخطو خطى واسعة نحو غد أجمل،، أكثر ثقافة و أوسع رؤية.. لم يعد معرض الكتاب كما كان سابقا.. مجرد مكان لبيع الكتب،، بل أصبح مكانا يتم فيه تبادل الثقافات و الخبرات و المهارات، أصبح مكانا يتسع لكل مؤسسة تود أن تجد رابطا مع الجمهور العام، معرض الكتاب هذا العام.. نقلة ثقافية واسعة.. لم يقتصر على فئة واحدة من المجتمع،،، بل شمل الجميع.. صغيرهم و كبيرهم، ذكرهم و أنثاهم، شابهم و عجوزهم!!
بدأت جولتي كالمعتاد في الجناح المخصص للمؤسسات الحكومية،، كعادتها هيئة أبوظبي للثقافة و التراث تخرج كل عام بمشاريع مبهرة.. تجعلني أشعر بفخر و بسمة واسعة ترتسم على شفتي.. بدءا من مبادراتهم الأولية في الاهتمام بالأدب العالمي و إصدار عدد كبير من الكتب المسموعة التي لم تجد حتى الآن جهة تتبناها كما يليق بها، ثم خرجت لنا بمشروعها المتميز (قلم) و الذي يهدف لتبني المواهب الشابة و تنميتها و نشرها و الترويج لها خليجيا و عالميا، هذا المشروع الذي أخرج لنا عددا جيدا جدا من الأقلام المتميزة التي نفخر حقا بوجودها و الذي يزداد عاما بعد عام، مبادرة (كلمة) تهدف لترجمة و نشر و توزيع أهم الأعمال الكلاسيكية العالمية، (مسابقة الإمارات للتصوير الفوتوغرافي) أحدث حراكا متميزا في مجتمع المصورين و شجع الكثير من المبتدئين للمشاركة، كما أن (مهرجان أفلام من الإمارات) يعد واحدا من أهم مهرجانات الأفلام في المنطقة، ( رابطة التصوير الفوتوغرافي) التي تأسست عام ٢٠٠٨ تهدف لإيجاد بيئة مناسبة لتنمية مواهب و مهارات المصورين عن طريق تنظيم الدورات و الورش و المسابقات و المعارض.. مما يتيح للمنتسبين للرابطة الاحتكاك بالمحترفين و الاستفادة من خبراتهم، (شاعر المليون) (أكاديمية الشعر) (مئوية زايد الأول) (جائزة الشيخ زايد للكتاب) …
لا زلت أتحدث عن إنجازات هيئة أبوظبي للثقافة و التراث و لم أصل بعد للنقطة التي أود الحديث عنها!! مشروعهم المتميز لهذا العام يهدف لنقل الكتب من الأرفف الجامدة في المكتبات العامة، ليصبح في متناول كل فرد من أفراد المجتمع.. لست بحاجة لزيارة المكتبة العامة بعد الآن… لأن المكتبة ستصل لباب بيتك عن طريق حافلة متنقلة تحوي مكتبة عامة تضم كتبا تناسب جميع الفئات و الأعمار تجوب المناطق السكنية في أبوظبي و ضواحيها، يتم تداول الكتب عن طريق استعارتها اعتمادا على بطاقات عضوية تعبأ كلما دعت الحاجة لذلك.. و إن لم تجد كتابك المفضل، بإمكانك إخطار موظف المكتبة ليوفر لك الكتاب في زيارته القادمة.. توفر الحافلة ركنا مناسبا للقراءة على مقاعد مريحة لتتمتع بهذه التجربة الفريدة.
هذا ليس سوى جزء من مشروع أكبر أطلق عليه اسم (مكتبة أبوظبي المستقبلية).. يرمي لإنشاء مكتبة عامة في المراكز التجارية بأبوظبي و مدنها الأخرى.. تحتوي المكتبة على أقسام للكتب المقروءة و المسموعة و المرئية، إضافة لركن خاص بالأطفال يحوي كتبا و أنشطة و ألعابا مختلفة، ستتوفر أجهزة حاسب آلي متطورة في كل مكتبة مما يسهل عملية البحث و القراءة، و يمكن استعارة الكتب اعتمادا على أجهزة إلكترونية متطورة جدا، لست بحاجة للوقوف في طوابير طويلة بانتظار أن يتفرغ لك عامل المكتبة، فهناك أجهزة تقوم بالمهمة عن طريق مسح جميع الكتب دفعة واحدة و إخراج تذكرة لتخبرك بمواعيد استرجاع الكتب.. إنها الخدمة الذاتية بين أيديكم!! حسنا، لا تنسى أن تحمل بطاقتك الخاصة دائما.. ستحتاجها في زيارتك للمستشفى أو الحديقة أو المطار.. أو أي مرفق عام تجد فيه متسعا من الوقت للقراءة.. هناك أجهزة منتشرة في مختلف المرافق لإعارة الكتب و الإسطوانات المدمجة.. للوهلة الأولى قد تظنها مجرد أجهزة جديدة لبيع المشروبات الغازية أو الوجبات الخفيفة.. لكنها في الحقيقة تقنية جديدة من هيئة الثقافة و التراث.. تتيح لك استعارة الكتاب لتقرأه في وقت انتظارك.. هل تحمل هم إعادة الكتب؟ لا تقلق.. فهناك صناديق موزعة بالقرب من أجهزة الإعارة.. ما عليك سوى وضع الكتاب في المكان المخصص و يقوم الصندوق باستعادته فورا.. شرط وجود الملصق الخاص بكتب الهيئة..
قد يقول قائل.. ليس الجميع متحمس للقراءة مثلك، و هو صادق تماما.. لكني أرى أن استخدام التقنيات الحديثة لجعل القراءة شيئا أكثر جاذبية قد يثير فضول البعض - ممن لا يحبون القراءة - و قد يحبون تجربة مثل هذه التقنيات الجديدة،، من باب التجربة ليس أكثر!! ثم كتشفون فجأة أنالقراءة ليست مملة كما كانوا يظنون دائما.. و أنهم بإمكانهم أن يستغلوا دقائقهم المتناثرة هنا و هناك في أروقة الانتظار في عمل ما هو أكثر فائدة من مراقبة الآخرين و الثرثرة في أمور لا فائدة منها!! كما أني لو رأيت حافلة متوقفة قرب شارعنا،، تحمل شعارات و رسومات جديدة،، سأجدها تجربة مثيرة كي أصطحب الأطفال لهذا الشيء العجيب.. أيا كان!! و قد يقضي الأطفال وقتا ممتعا هناك،، و يترقبوا بشغف الزيارة القادمة.. أليس هذا ما نطمح له في النهاية؟ أن ننشئ جيلا شغوفا بالقراءة؟
أنا متفائلة، ماذاعنكم؟ هل أنتم متفائلون مثلي؟ كان عليكم أن تزوروا المعرض لتروا الأجهزة بأنفسكم و تركبوا الحافلة المتوقفة في طرف المعرض كي تصدقوا أننا في أبوظبي.. صفقوا أرجوكم.. فأبوظبي تقرأ الآن كما لم تكن سابقا : )
هل لا زال في هذه التدوينة متسعة لأحكي عن بقية تفاصيل الزيارة؟ صدقوني حماسي لهذه المشاريع أنساني الكتب التي ذهبت لشرائها، و كما قلت لكم في تدوينتي االسابقة.. لم أكن أطمح لشراء الكثير،، مجرد زيارة المعرض تمنحني شعورا جميلا.. تجعلني أتنفس الحبر و الورق و أشعر بجمال الحياة بين أغلفة الكتب.. سأكون صادقة إن قلت لكم أني جمعت من المنشورا و البروشورات ما هو أكثر مما اشتريته من الكتب.. تحمست جدا لزيارة المسرح الوطني للانضمام إلى رابطة مصوري الإمارات،، في زواية مخصصة له كان الخطاط محمد مندي متفرغا للكتابة لمن شاء بخط عربي جميل.. أقرب ما يكون للوحة فنية، حدثني عن الخط الديواني، تاريخه و استخدامه.. يعمل الآن في مشروع تابع لهيئة الثقافة و التراث على تطوير الخط الديواني، كتب لي لوحة جميلة باسم (نورة)…
ابتسامتي كانت عريضة أمام الجناح الخاص بمؤسسة two four 54 .. هذه المؤسسة التي اتخذت من أبوظبي مقرا لها، و اشتقت اسمها من الإحداثيات الجغرافية لمدينة أبوظبي… و التي تسعى إلى تطوير محتوى إعلامي و ترفيهي عربي بمستوى عالمي.. اعتمادا على المواهب و القدرات الشابة في كل أرجاء الوطن العربي.. في مختلف قطاعات الإبداع من صناعة الأفلام، والبث والإرسال، والتكنولوجيا الرقمية، والألعاب الإلكترونية، والنشر، والموسيقى…
جناح هيئة البيئة كان مميزا جدا، فقد أنشئ لينقلك إلى تجربة فريدة مع الحياة الفطرية و البرية في دول الإمارات.. الأرض الزجاجية اللامعة و قنوات الماء الصغيرة التي تعبر فوقها عبر جسور خشبية، كل هذا و أنت تتأمل الصور المعروضة لمظاهر الحياة الفطرية و البرية.. شيء رائع.. سيشعر معه كل مهتم بالتصوير بغبطة عظيمة!!
لشاعر المليون و أكاديمية الشعر مكان بكل تأكيد، الدكتور غسان الحسن و الشاعر سلطان العميمي كانا متواجدين، و يبدوان مرهقان جدا من كثرة الكتب التي وقعوها لطالبات المدارس المعجبات،، اللواتي أصررن بكل تأكيد على التقاط صور خاصة مع الشاعرين.. يا لحياة المراهقات : )
يبدو أن التدوينة لن تنتهي إن شرعت بالحديث عن كل جناح زرته بمفرده!! فلننتقل لقسم دور النشر.. الأدبية هي المفضلة بكل تأكيد.. لم تكن أكثر الدور التي تحمست لها مشاركة!! المدى.. رياض الريس.. و الجمل.. كانت هناك دور أخرى تبيع كتبهم.. لكن الأمر لا يشبه أبدا تواجد الدار الأم.. ربما لإقامة معرض الرياض في التوقيت ذاته سبب في غياب هذه الدور،، لكني حزنت جدا،، و كلما سألت عن اسم كتاب.. رفع البائع ناظريه للسماء ثم قال دون تفكير.. الكتاب غير موجود، دون أن يكلف نفسه عناء البحث..!!
ماذا أيضا؟ كان هناك منتدى للحوار تابع لليونسكو.. تمنيت دخوله لكن الأبواب كانت مغلقة لأن الحوار كان قد بدأ و التصوير قائم.. ركن التوقيع كان خاليا كما توقعت،، في اليوم الأخير و صباحا،، من النادر أن يتواجد أي كاتب.. تمنيت لو التقيت بعبده خال، هذا الرائع الذي حاز البوكر بجدارة.. صحيح،، نسيت أن أخبركم بهذا.. كنت عند جناح مكتبة الجامعة أسألهم عن كتاب تحت أقدام الأمهات لبثينة العيسى حين لمحت ثلاث نسخ من كتاب ترمي بشرر على الطاولة.. اختطفت نسخة واحدة من باب الاحتياط فقط، أحب الاحتفاظ بنسخ إضافية من الكتب التي أحبها كي أهديها لمن أراه مؤهلا لقراءتها،، كانت تجلس إلى جانب البائع سيدة إماراتية تبدو كبيرة في السن، ترتدي برقعا إماراتيا و شيلة على طراز كبيرات السن هنا.. حتى طريقة حديثها كان أقرب لأسلوب الجدات،، كان واضحا من شكلها أنها ذات إطلاع كبير على الكتب، حين لمحتني أشتري الكتاب قالت لي: يما لا تخلين حد من البنات يقرونه، إقريه بروحج بس.. قلت لها ضاحكة: لا أنا قارية الكتاب من أول ما نزل.. و أكيد ما بخليه يطيح في إيد حد.. تضجر البائع: هذا العبده أصابنا بمصائب، هذي مو ترمي بشرر.. هذي ترمي ب….. و تردد قبل أن يكمل جملته، قلت له: إياك.. فاز الآن و بجدارة!!
حسنا.. الكتب التي اشتريتها، لم تكن كثيرة،، و البعض منها مكرر.. و أظن أني أشتريها للسنة الثالثة على التوالي!! كما قلت نسخا احتياطية : )
ضوء يذهب للنوم - ابتسام المعلا
ترمي بشرر - عبده خال
ولدت هنا ولدت هناك - مريد البرغوثي
منينة - مريم ناصر ( من إصدارات قلم ٢٠٠٩ )
تجربة مقاهي ستاربكس: ٥ مبادئ لتحويل العادي إلى استثنائي - جوزف أ. ميشالي
الكتاب الأخير أثار انتباهي،، ربما أحتاج أن أقرأ في هذا المجال أكثر كي أستفيد منه في مشروعي الخاص - مستقبليا.. أليس من الجميل أن يكون الإنسان متفائلا و طموحا؟ D :
كونوا بخير دائما..